بيروت: الصباح يتمدد في يوم المدينة كضباب خفيف
يطلع الضوء من الشقوق المتروكة بخطأ هندسي ربما بيت البنايات المتراصة كأنها صف من اقدام الجنود المملولين من وقفتهم المغبرة
قبل ان يتسلل الدفء الطبيعي الى حيث اغفو, أقوم لأطمئن ان البنات نائمات و انهن متغطيات جيداً و ربما يحلمن بعالم أقل مرارة
تمر من بين قدمي"سيما" القطة البيضاء, بينما يجلس "قمر"_القط العسلي_ يراقب حذري الدائم من كل انواع الحيوانات, ارتبك من ملمس الفرو الناعم و أفكر مع تنهيدة : يا إلهي كم لا أطيق ملمس الحيوانات
::
بيروت: اليوم سيكون يوماً "تصعيدياً" للمعارضة الوطنية والجميع يترقب
تسألني رانيا هاتفياً بالأمس: انتي اكيد جايي معي بكرا؟
ظننت ان بيننا اتفاقاً مسبقاً و انا نسيته في حضرة ذاكرتي المولعة بالنسيان :ليش شو في بكرا؟
بكرا الأحد, شو في بكرا؟_
تلزمني برهة حتى اتدارك ما تقصده عن بكرا, وارد: لا أكيد مش جايي معك بكرا و لا غيرو
ولك يا بنوت_
أقاطعها: بس نلتقي المسا منحكي
وفي المساء سنحكي, سأقول لها اني لا ارضى ان اتحول رقماً يعده من كان ليتفق مع العميل و القاتل, ويقولون لي "وحدة وطنية" انا ما عدت اؤمن بهذا الوطن اساساً: انا ربتني صور التابعة تاريخياً لصفد او عكا, يعني فلسطينية اكثر من لبنانية. ثم ان هذا اللبنان اُنشئ لاجل عيون امراء الجبل و مدينة بيروت, فليكن ولننتهي من حكاية ابريق الزيت المتمثلة بحرب اهلية كل 30 سنة
تندهش صديقتي, ولكنها لا ترد بحماستها المعتادة, ربما لأنها تدري ان معي حق بشكل او بآخر
::
بيروت: الشوارع فيها مليونا شخص يوم الجمعة في أول ايام ديسمبر لهذا العام الغريب, ربما لم يبق أحد في بيته الا السنيورة _و السراي الحكومي مش بيت ابوه يعني_ و بعض الذين اكتفوا بللبننة شرفاتهم. اذهب من باب الفضول, اسأل الناس لما أتوا من كل حدب و صوب ليشاركوا, الجميع يورد اسباباً مختلفة, وكلها منطقية ومهمة وجوهرية, ولكنها لا تقنعني.
أسمع الخطابات عبر التلفزيون و لا أشاهدها, مللت من الاخضر اصفر ليموني, بدنا نسقط الحكومي, ومن نحن"نريد حكومة نظيفة" و يا سنيورة اطلاع برة, بدي بلادي حرة حرة
ملل و غضب كذلك, يقول لي اخي الذي ينام مع المعتصمين في الساحة ( و حتى الآن لا يُقدم لهم سوى الطعام, لا مصروف و لا مقابل لمبيتهم ولا شحن خطوط الخلويات)ان الجو رائع تحت (تحت يعني ساحة الشهداء او ساحة البرج سابقاً) واني يجب ان اذهب
انظر اليه واقول في نفسي: بعد بدكم فت خبز كتير, واقول له: انت روح و تعلم كيف بتصنع السياسة و التغيير, انا بديش انزل مع ناس دبت اخبر قياداتهم هلق (كنا مع بعض بالجامعات بهيديك الايام) عن الاسرى و الضمان و الجامعة اللبنانية وما كانوا يتحركوا, هلق فاقوا ع هالوطن؟
يحاول ان يناقشني في سلبية موقفي :حتى اصحابك الشيوعية نزلوا
هنا اكاد انفجر, واقول بصوت يحاول ان لا ينفجر في وجهه , فما ذنبه ان اليسار صار اذناباً؟, مهي هون المصيبة, هون اصل البلا, ما بقي في و لا تقدمي واحد و لا رفيق واحد يقول لأ بوج هالخندق او هالزاروب, ما بقي في مين يقول لأ
واذهب الى غرفتي كي اخفي دموعاً تباغتني قهراً وقرفاً
::
::
بيروت: الطرقات الحيوية كلها مقفلة لاسباب تنظيمة و امنية تتعلق بالاعتصام المصمم والعاقد العزم على اسقاط الحكومة, لا بأس ببعض ازدحام السير, ولكني اريد ان انتهي من التصوير لأذهب مع البنات الى السينما.
لا ادري كيف اصبحت الشخصية الانثوية الوحيدة في فيلم داليا عن بيروت, المفارقة اني لست من بيروت و لا مهووسة بها, ومع ذلك ها نحن نصور مشاهدي في هذا الوثائقي عن المدينة.
في "العجقة" تقول لي داليا اني امثل جانباً تريده ان يبقى لمدينتها, وهو المُقاتلة لأجل ما هو افضل و اكثر عدالة و انسانية بدليل انك ما قبلتي تشتري مي من صحة لأنو اشترتها نستلة مثلاً و هيدا من ابسط و اصغر الاشيا
اخجل حقاً, منذ متى صار الواجب واختيار الضمير امراً يستحق الالتفات اليه؟
المصور طلال شاب لذيذ رغم انه مع اليسار الديمواقراطي, في آخر اليوم الطويل اكتشف انه ابن إلياس خوري, ظل طوال اليوم يربط كل ما هو سيء بحزب البعث
. وانا "انقر"على ارائه في الرد اذ اعتبر ان من مع اليسار الديموقراطي "مخه ضارب" لدرجة ان لا شيء قد يغير فيه قيد انملة _حلوة هالقيد انملة, من وين طلعت فيها انا ع هالصبح؟_ضحكت حين عرفت من ابوه, كنت اريد ان اقول له انه من الاجدر به ان يحاول اصلاح رؤية والده للعالم , إذ يرى فساد سوريا مثلاً وقمعها للحريات و لا يرى فساد فتح و مصادرتها لكل صوت مغاير لسياساتها_اقله في لبنان_ و التي لا ينتقدها ولا بحرف و هو المثقف الواعي المتنور
. وانا "انقر"على ارائه في الرد اذ اعتبر ان من مع اليسار الديموقراطي "مخه ضارب" لدرجة ان لا شيء قد يغير فيه قيد انملة _حلوة هالقيد انملة, من وين طلعت فيها انا ع هالصبح؟_ضحكت حين عرفت من ابوه, كنت اريد ان اقول له انه من الاجدر به ان يحاول اصلاح رؤية والده للعالم , إذ يرى فساد سوريا مثلاً وقمعها للحريات و لا يرى فساد فتح و مصادرتها لكل صوت مغاير لسياساتها_اقله في لبنان_ و التي لا ينتقدها ولا بحرف و هو المثقف الواعي المتنور
ثم غيرت رأييَ: ما شأني, ربما ليس الولد على دين ابيه
::
بيروت: نفس الشوارع, نفس الساحات: هنا إفترشنا الرصيف مطالبين بمنح كوزو اوكوموتو ورفاقه من الجيش الاحمر الياباني لجوءً سياسياً للبنان, وكنا قلة قليلة
بيروت: نفس الشوارع, نفس الساحات: هنا إفترشنا الرصيف مطالبين بمنح كوزو اوكوموتو ورفاقه من الجيش الاحمر الياباني لجوءً سياسياً للبنان, وكنا قلة قليلة
في هذه الساحة سهرنا الليالي نتسقط خبراً عن صحة اسرانا_لبنانين و فلسطينين_ في السجون الصهيونية خلال اضرابهم, واضراب بعضنا معهم, عن الطعام الذي بدأ منتصف آب
2004وعلى بعد خيمة من هنا, سالت دموع ام محمد خلال احد الاعتصامات لكشف مصير السبعة عشر ألف مفقود في الحرب الاهلية اللبنانية و الذين هم برقبة سوريا او اسرائيل حتى يثبت غير ذلك, وبلى: القتلة و المتسترين على راحة قلب و بال امهات واخوة و اباء يتساوون, وكفانا من الاسطوانة المشروخة بتاعة أنا وخيي ع ابن عمي و انا و ابن عمي ع الغريب
::
بيروت: تقاطع السوديكو _بشارة الخوري, قطعة النيلون التي نصبناها خيمة لا تقينا البرد و المطر,و خيمة عن خيمة بتفرق. "شباب خائف على وطن" ننتشر على التقاطع, نوزع المنشورات المكتوبة بخط اليد و المصورة بأقل تكلفة و على عجل, نأكل كعكاً بزعتر او جبنة و نمنع على اي من المشاركين إدخال اي منتج مدرج على لائحة المقاطعة الى خيمتنا .
نضحك على مفارقة فقر حالنا أمام ما كان سابقاً من خيام تنادي بحرية وسيادة واستقلال, ونحن لا من يدعمنا
اصلاً من قد يدعمنا ونحن ضد الجميع؟
ندعم انفسنا و نكمل "النضال" كما يسمي الرفيق عربي تحركاتنا.
اتميز رغبة لدخول مبنى بركات الذي توقف زمنه و جمد في الايام السوداء للحرب الاهلية السابقة, ربيع يتشجع, ونتسلل المبنى الرائع هندسياً والذي طابقه الاسفل سجن على حيطانه دم قديم. نصور ما بقي من ذاكرة يُراد اخفائها كي لا نتعلم منها_اذا في أمل نتعلم اساساً_ متاريس, اكياس رمل, قناني ويسكي وبيرة من ايام الثمانينات, "فشك" رصاص, شعارات دموية وعلى الدرج شبه المتهدم و المهدد بالسقوط قطعة ثياب داخلية نسائية حديثة نسبياً, ربما تُركت على عجل أثر انكشاف امر المتسللين ليمارسا الجنس او الحب هنا.
يكشفنا الدركي و يبداً خوف ربيع من ان نتعرض لمساءلة, فثمة قرار قاضٍ بمنع الدخول الى مثل هذه المباني في بيروت., ننزل الدرج على عجل ونحن نضحك كطفيلن تطاردهما مخاوف خرافية, يمسك ربيع بيدي ونقفز من "طاقة" الطابق الاول حيث تسللنا كما في الافلام
نركض الى الخيمة ضاحكين.يعاتبنا الشباب" هلق بيجوا بيقولوا كاني و ماني وهني من غير شي مش طايقيننا هون" ويقصدون المخابرات و الدرك و كل جهاز رسمي للسلطة
انفض عني غبار السنين و الموت المجاني العالقة بثيابي من مبنى بركات
و اذهب الى الدركي وسط دهشة الجميع, اقول له " بدك هويتي؟ انا فلانة وطلعت ع مبنى بركات: إحبسني اذا بدك" يضحك الدركي بعد دهشة, يقول لي "خايفين عليكم نحنا, بعدين انتي صبية و..." وقبل ان يعيد علي الاسطوانة التي مللتها لكثرة التكرار ارد عليه بصوت حاسم : احسن نكون_صبايا و شباب_ خايفين ع الوطن
يستقبلني ربيع بضحكة مكر "عرفتي تلفيها يا عفريتة"
يستقبلني ربيع بضحكة مكر "عرفتي تلفيها يا عفريتة"
نجلس نستعرض الصور. اوشوشه "بس بدي اعرف مين الو خلق يمارس جنس بهيك مزبالة و تحت هيك شعارات ؟" ونضحك مجدداً وسط استغراب الجميع
::
بيروت: ادخل مقر اتحاد الشباب في مغامرتي الاولى بالنزول الى بيروت في عز الحرب آب المنصرم, اجد صورة ربيع معلقة مع ضحكته الاسرة تعتلي عبارة كبيرة "لن ننساك يا رفيق" اسأل حسان, ولا يجيب, اطوف بعيني جزعة على كل الوجوه و احداً لا يخبرني قبل ان ابدأ النشيج :شو صار لربيع؟ حدا يخبرني شو صار لربيع؟
يمسكني حسان و رانيا و يحاولان تهدئتي, قد لا احتمل فوق الدوامات التي تعصف بروحي خبراً من وزن خسارة أحد أحب الرفاق الي.
ملاك, شو بدنا نعمل هي الدنيا هيك, يمهد حسان و الدموع بعينيه هو كذلك
يجيبه صوت نابع من داخلي اقرب للفحيح: طيب بس قللي, توجع وهو عم بيموت؟
وقع بفتحة الاسنسير" اغمض عيني و اطلق شهقة ألم عالية"
::
بيروت: المدينة هذ الصباح المتسارعة دقات وقلوب خطوات ناسه في تصعيد للقضايا الغريبة التي ستعيد انتاج نفس الازمات قريباً , المدينة كروحك يا ربيع, كأرواح كل الذين يؤلمهم حيث هم كل ما يحدث, ويحز في ارواحهم كما في اجسادهم, او اشلائهم, هذا الانحراف الفظيع في بوصلة المبادئ الانسانية والوطنية
ارشف فنجان الشاي الذي برد و أنا اطبع .سارية تصحو وتقبلني و تتدلل علي كما لو انها لم تزل في الخامسة حين عرفتها لأول مرة, اقول لها اني أتية بعد ان انهي طباعة فكرتي الاخيرة
بيروت: المدينة هذ الصباح المتسارعة دقات وقلوب خطوات ناسه في تصعيد للقضايا الغريبة التي ستعيد انتاج نفس الازمات قريباً , المدينة كروحك يا ربيع, كأرواح كل الذين يؤلمهم حيث هم كل ما يحدث, ويحز في ارواحهم كما في اجسادهم, او اشلائهم, هذا الانحراف الفظيع في بوصلة المبادئ الانسانية والوطنية
ارشف فنجان الشاي الذي برد و أنا اطبع .سارية تصحو وتقبلني و تتدلل علي كما لو انها لم تزل في الخامسة حين عرفتها لأول مرة, اقول لها اني أتية بعد ان انهي طباعة فكرتي الاخيرة
وها أنا أضعها هنا ثم أقوم ليوم جديد
بيروت هذا الصباح مدينة تتوجع و لا تموت


