
رجعت الشتوية
لا فيروز هنا بصوتها, ولا رائحة قهوة أمي, ولا قبر بابا بالإمكان لأزوره و ازرع فوقه دمعتين يسيقهما المطر فيكبر حزني
رجعت الشتوية: اشعر بوحدة تذبحني, فلا احد "يفتكر" فيّ. ابرد حد المرض جراء شعوري بالتضاؤل أمام زخ الخير الدفاق على غفلة من الطبيعة و توقعات الناس, و تماماً على الموعد مع روحي كي تستعيد بعض ما جففته منها المسافات
كلما شتت اول مطرة, كنت "احمل حالي" و اماشي الطبيعة في معانقتها لعناصرها فرحاً بالخير الجديد
امشي في شوارع مدينتي, ارقب بحرها يغسل موجاته برقة الفصل الآتي بوعود اخرى, اغني و اصفر وخطوي يتراقص فوق البرك الصغيرة التي بدأت تتجمع في الشوارع وتوحلها بينما اتبلل واضحك بوجه السماء كطفلة تلهو بالايام و الفصول و كرج السنوات على جلدها , كما قطرات المطر
كذا فعلت اليوم, فاجأتني "الشتوة" و انا في طريقي لشراء خبز ساخن و طازج كتوقعاتي المعتادة من فصلي الحبيب, التي كانت معتادة بالاحرى. تنورة و بلوزة باكمام قصيرة و شعر مفرود لتمرده الاعتيادي, وهذا المطر! ياه ياه على بلل هذا المطر
رائحة الخبز تعوض قليلاً عن رائحة التراب التي تملأ قلبي و روحي عادة, احضن الارغفة الساخنة ألوذ بها من برد الايام التي مضت والتي ستأتي و روحي على اغترابها, وامشي و دموعي تمشي على خدي كما المطر فوق اسمراري القاحل من المعنى
ليس من سأعود الى البيت ليقول لي"يا مجنونة", ليس من سيتصل بي لنصرخ على الهاتف: شفتي الشتا؟وليس من طقوس اعرفها لاستقبل بها الفصل العائد, سيكون علي الان ان اخترع طقوسي الخاصة اذاً؟ هل بي رغبة حقيقة بهذا الفعل الصعب فعلاً؟
هذه هي الوحدة التي يحكون عنها إذاً؟
الوحدة هي هذا البرد الذي ينخر العظام اذ ليس من تشاركه حدث عادي و متكرر كالمطر, هي ان لا تجد في ذاكرة هاتفك من قد يود فعلاً ان تتصل به و تشاركه هذه اللحظة.او قد لا تريد انت اما لاختلاف التواقيت او لتوقعك الخائف ان موضوع حديثك لن يكون موضع اهتمام
الوحدة هي ان تتمنى ان تحقق حلماً حلمته قبل كم ليلة حين اخبرك اخوك الاصغر عن كسوة مدينتك التي تركتها لانتظارات جديدة بالمطر. حلم اسعدك حينها, وكان ليسعدك لو نفذته اليوم. حلم جميل انها امطرت عليك ببعض الفرح في اغترابك, وانك و تحت المطر, حملت هاتفك و أسمعتَ صوت المطر وبهجتك الطفولية لمن ترتاح له قلبك فعلاً
لن يجيب, ولا انت ستتصل, ستخشى ان ترد حيادية و برودة الصوت, فيزداد بردك جليداً تؤجل المرض به الان, لديك الكثير مما يكاد يقتلك حالياً.تفضل رسالة متأخرة وخبر طفولي اخر, وليس ثمة فرق في الرد, على من تضحكين يا نفس؟ يبدو ان الجليد قد وصل
ستمعن وحدةً,يمعن صمتاً, والمسافة التي تغزل من برد الصمت وضبابية التوقعات لا يملأ هسيس الألم فيها الادعاء بالفرح تحت كل امطار العالم مجتمعة في بطن غيمة واحدة
رجعت الشتوية: لا احد يفتكر فيّ, ولا انا اريد ان افتكر في احد بعد الان
رجعت الشتوية: ارجو من السيدة فيروز ان تكف عن محاولات ادخال مناسبات حزني المقنع بطفولة لا تريد ان تكبر الى روزنامة اغانيها
رجعت الشتوية: امشي وحدي الى وحدة صارت ابرد زيادة , بفعل الطقس هذه المرة


