وقت مستقطع

أيها الواقفون على حافة المذبحة.. أشهروا الأسلحة.. أشهروا الأسلحة"

أمل دنقل

ست سنوات إنتفاضة مجيدة
ونواصل

ونواصل

حصارات

تحاصرني تفاصيلي اليومية
النهوض صباحاً بمزاج يستعد لطريق, بل لطرقات لا يصل بها الخطو الى وجهتها الاخيرة مرة واحدة_
الانشغال بأي شيء يخفف من شعوري بالضيق من الطريق التي طالت بين صور و صيدا حد انها_
صارت تستدعي مني زفرة, او زفرات
تحية الصباح و الابتسامات الروتينية لزملاء العمل قبل التوجه الى "مطرحي" و الانغماس فيما ينتشلني_
من مماحكات الحياة خارج شرنقتي الملونة بالاحتمالات هذه
هدوئي الذي يشغل بال اصدقائي, ولا استغربه: لقد شهدت من البراكين ما يجعل عواصفي تبدو_
تافهة بالمقارنة بحممها
الحاجة الملحة للنوم بعد الغذاء, حاجة لا استطيع ان اعاند جسدي في ادمانه اياها: مباشرة بعد اللقمة_
الاخيرة في غذائي(وليست الاخيرة في صحني ابداً, إذ ومنذ طفولتي لا أنهي صحني تماماً و مهما كنت جائعة او أحب الاكل الذي فيه, ولكن يستحيل ان لا اترك لقمة أخيرة , ربما كتوقيع ان هذا صحني لاميزه حين سأجلي بعد قليل) وبعد الغذاء: يجب ان انام و الا سيصبح مزاجي
"زي الزفت"
مزاجي الذي "زي الزفت"," حين لا أنام : هذا حكاية_
كيف يكون مزاجي "زي الزفت" و يزعجني؟
أكون كبالون على حافة الإنفقاع_او الفقع او الفقعان, لا ادري ايهم لغوياً السليمة, ولكني اريد ان اوصل الفكرة:" بكون رح ابج يعني"_لا اريد ان اسمع حكياً يدور من وراء رأسي و لا أطيق نشرات الاخبار التي لا يبارح نفيرها الحربي جهاز تلفازنا و بيتنا صبحاً و ليل
وفي حالة المزاج الزفت أكون على حافة بكاء لا يهطل دموعاً ابداً حين احتاجها تزيح عن قلبي حمل الغصات, بل انفجر بكاءً في اكثر التوقيتات سوءاً لدموعي _ هذا يميتني غيظاً مني دائماً
إ_إشتياقي له حين لا يكون وهروبي المستمر من مواجهة نفسي به في وجوده: اليوم أخبرت علي اني اريد ان اكتب له وعنه و أني اشتاقه جداً .سألني عن عمله, قلت له: كان بيي. بعد 16 سنة غياب, لا زال "بابا" يحاصرني بكل هذا الموت و بتركه الاشتياق فخاً مزمن التربص بي في كل لحظة استشعر فيها فقده يقيناً, كما في الايام الاولى في غيابه حين بدأت أتيقن انه لن يعود ابداً هذه المرة .
الأغاني السمجة التي تداهمني في كل الاماكن و اهرب منها بسماع اذاعتي الداخلية: محمد منير او ريم بنا او كاميليا جبران او فيروز.المهم_
ان أجد طريقاً الى روحي بالموسيقى التصويرية التي تناسب حياتي ومزاجي حتى لو كان "زي الزفت" ليتغير على وقع الفرح او الحزن,بحسب ما تقع عليه ابرة شعوري في تلك اللحظة المعينة
...وثمة دوماً المزيد من الحصارات, قد تتبع هنا_

تنهيدة

فالقلب في حزن قلِق
والروح على أهبة دمع

رجعت الشتوية

عم تفتكر فيي؟
بهاللحظة, زي لحظات كتير انت مش موجود فيها, بتكون موجود بطريقتي الخاصة بإستحضارك من ضباب ذاكرة مجنونة بالفوضات
من لما فقت اليوم الصبح و بست ناي و هي نايمة,وأنا عم بفكر فيك
فكرت كم مرة انت بستني و انا نايمة و تركتني نايمة و رحت؟
ويا ترى بوستي هالقد بتكون حلوة و رايقة و بتعدل المزاج و بتخلي يومك حلو لما بتبوسني و انا نايمة؟
:
بالطريق ع شغلي, كانت الغيوم مملية الدنيا و ريحة الشتى مملية روحي
فيروز كان صوتها خفيف و زي المبحوح و هي عم تغني للجبل البعيد , وانا عم بتطلع ع كم جبل و جبل فيه بعيد قبل ما انت تكون موجود فعلاً
كانت فيروز عم بتغني كأنها مستحية و صوتها جايي من شي محل بعيد , يمكن بس أقرب شوي من الجبل اللي انت وراه
لما بلش الشتى, وقلبي كان عم بيشتي لهفة لأشوف وجك عم تضحك, أنا ضحكت
قلبي من جوا ضحك: لابسة صندل مفتوح مكشوف عن اصابعي وعن عري بيبدا من عروق رجلي و ما بيمتد لأعلى من ركبتي
ضحكت لأنو مع حضور فكرة انك موجود رغم كل البعد, بيكون العري الجسدي شي غبي تماماً
بهيك لحظة: روحي حقيقة عارية من كل الاقنعة, وبعرف تماماً انك عارف و انك حاسس من مطرح ما انت اني سعيدة بأنو أنكشف و أتكشف, بكل رغبة الصبية اللي فيي, ع الاخير لروحك
:
وصلت ع المفرق اللي بيودي الشغل: الارض مرطبة بخيراول شتوة بالسنة, ووحل الخطوات المستعجلة لتخبي الاجسام اللي حاملتها من هالبلل اللذيذ وريحة التراب تحت المطرة عم تجتاح كل خلية في, زي ما أنت بتعمل بالزبط
كل الناس مستعجلة تهرب من الشتوة المفاجئة, وأنا لحالي ماشية ع مهلي, لميت ياسمينة من البركة اللي عم تتجمع ع الارض و شميتها بفرح
جواي كملت فيروز تغني للشتوية اللي هواها_زي هواك_غلاب
:
فتت ع مطرحي بالشغل , وكملت ادندن مع فيروزنا, هالمرة بصوت قوي: لا بعيد و لا مستحي, يمكن شوي بعدو مبحوح من الرشح اللي معلق ع حبال صوتي زي ما بتعلق بحكيك: تعلق حلو لأنو مش واضح, بس بتعرف انو موجود
حطيت الياسمينة ع الطاولة و بلشت اشتغل و كل شوي اتطلع فيها و افكر
لو بتقدر ياسمينة زي قلوبنا _بيضا وطيبة و بريئة_ تقطع جبل ورا جبل ورا جبل و تروح لعندك ع البعيد اللي انت فيه
ولو بتقدر_بما انها وصلت ووصلت_ تتركلك ع شباكك الصباحي اللي بتطل منو ع الدنيا بوسة صغيرة مني: حلوة و رايقة و بتعدل المزاج و بتخلي يومك أحلى
:

مرة أخرى, وأخيرة


هذي الطريق أكرهها

أكره اني مكرهة دوماً على عبورها :مرتين في أقل من شهرين أعبرها بكرهي الشديد لما يجرني إليها غصباً عني.

هذه الطريق هي الطريق الالتفافية بين البساتين و عبر مقبرة قرية القاسمية الواقعة على طرفي مصب نهر الليطاني شمال صور_مدينتي.



:

"طريق إلتفافية"! تبدو الكلمة من مفردات القاموس الفلسطيني , أليس كذلك؟
ولكنها ليست كذلك, ولا أسف

هي مفردة يخلقها الاحتلال, ويحاول تكريسها واقعاً على الارض بالبسطار و التهديد برائحة الدم و البارود

هي مفردة تلازم وجود الاحتلال,اي احتلال!

فنعمان _صديقي العراقي الجميل الذي لا أصدق ان من بطيبة وجهه و رقة قلبه سيصبح جراحاً يجترح الراحة من عز الألم بمشرط لا بضحكة كعهدي به كل لقاء_يخبرني ان بغداد تعج بالطرق الالتفافية منذ ذلك الآذار المقيت.

أما فلسطين, فلا حاجة بمن يخبر عنها, نرى و نحس كل يوم كم إلتفافة بإلتفاتة يحتاج أهلها _الدم ليعبروا من شريان لقلب لجسدها المنهك بقلة الاوكسجين اللازم للحياة حقاً.

ولكن لبنان!
لبنان جنوباً, و جنوباً الى الشمال من الشريط الحدودي السابق.
لبنان_القاسمية!

:



كيف يعقل أن أتقبل ان تجبرني طائرات الاحتلال و مدفعياته الرابضة على تخوم ايامي و بوارجه التي تحز زرقة بحري على خوض هذه الالتفافة المقيتة ذات مجزرة؟

و اليوم عليّ أن اتقبل ان القوات الدولية الزرقاء قبعات عديدها تجبرني على هذه الالتفافة يومياً ليست إحتلالاً؟



كيف أصدق أنها أتية لتحمي من لا يحتاج للحماية؟

هل بلادي تحتاج للحماية من موت يأتيها من بر و بحر و جو
هل ستنفع أساساً هذه الحماية؟

تمثل في العقل و الروح كوسوفو وسراييفو وكل مكان انتشرت فيه القوى الزرقاء و لم تمنع مجزرة و لا حمت سلاماً و لا راقبت انتهاكات

فلماذا هي هنا؟
لماذا ليست على الحدود مع الكيان الغاصب؟
لماذا هي على أرض بلادي أصلاً؟
ألم يتيقن العالم, بكل قواه و اقويائه, ان بلادي اقوى من ان يذلها اي كان؟


:


كلما جلت في الجنوب ,منظر البقع الزرقاء يشوه بقاع بلادي التي كانت خضراء بفضل خيرالقلوب و الايادي و تحولت محروقة بفعل شر العقول و الاعادي.

هذا الازرق أنا لا اريده, ولا بلادي تريده

اريد ازرق الانعتاق في أفاق الحالمين من بحر و سماء, اريد ازرقاً اعرفه و أحبه.

أريد أزرقاً لا يرغمني على خوض طريق تذكرني بالموت الحائم فوق رأسي و رؤوس من أحب.

أريد بلادي, حرة كريمة لا يشوه جمالها البري أزرق سوى إحتمالات الاحلام و اللامع من الذكريات و الأيام
هذه بلادي اريدها: مباشرة و بلا اي إلتفافة: حرة مرة أخرى , وأخيرة

جمول

16
أيلول مجدداً
عاشت الذكرى رفاق
عشتم فينا شهداءنا
وفي الذاكرة والبلاد و التاريخ
"واللي نسي جمول يمي, يعدم حياتو"

ليلة أخرى لذاكرة لا تسرح, ولا تسرحه

حين تطبق شفتا الليل على المدينة و الحكي

ينفث في صمتهما والعتم سيجارة قلقة

ويقول:صباحك يا بلد

:

يقيس بعينيه مدى ذاكرته

يزمهما حتى تريا كل شيء ويحاول التذكر: هل كانت السروة على مفرق الفرن أقصر؟
متى بدأت بضاعة دكان ابو هشام تقضم الرصيف الى هذا الحد؟
وهل لا زالت عجقة المدراس تطوق الشوارع برفوف المراييل و الغزل يتطاير و بعض ضحك و شجار؟

يسدل رموشه على النظر المتعب
يذهب الى المدينة كما يعرفها في حضرة الضوء

ينتشي بالمشاهد, ويريد مزيداً منها: مدينته و تفاصيلها

:

يوغل في الذاكرة أكثر: أمه تفح محبةً , وتنتظر

هذه المراءة قضت عمرها إنتظاراً بإنتظار
انتظرتهم يكبرون, ولما كبروا, تنتظرهم يعودون اليها أطفالاً: تغسل ثيابهم و تضمخها بطيب الدعاء
تقبل رؤوسهم قبل النوم وبعد صلاة فجرها المديد
وتوزع أطباق الجبنة و التين المعقود و كاسات الزعتر و الزيت على الحصيرة المفترشة ارض الدار و قاع الذاكرة
تناديهم"يما تعالو نفطر", تريد ان تلمهم مرةً بعد لقمةٌ و خبز طابون و شاي بنعنع, كما قلبها دائماً يلمهم


للحظة ينتبه انه لم يفكر يوماً بأمه الا "أمه", ولا مرة سأل نفسه كيف كانت قبل ان تصير أماً
فهي لم تولد بهذه الصفة حتماً
فكر انه يريد , لحشرية نبتت فجأة كما الزغب في صدره ذات تحولات مراهقة,ان يعرف أكثر ماذا إنتظرت قبلهم: هو و اخوته, شقى العمر و شقاوته الاجمل

تلسع السيجارة اطراف اصابعه فينتفض
يرميها و يتنهد: سأسألها حين أراها المرة المقبلة بماذا كانت تحلم قبلنا

:

يضع ابريق شاي على نار تتقد _مثله_ بالاشتعالات
على الأغلب سيسرح كعادته, وسينساه وسيصير لونه خلطة عجيبة من اشتباك النار و المعدن
لا يشغله عن السرحان سوى مزيداً من السرحان
بماذا سيفكر الآن؟
قبل ان تغلي ماء الشاي, كروحه تغلي بكل مفردات الرفض
سيسرح بالرفاق؟ من بقي منهم قيد الحرية و الباقيين الذين صاروا على قيد قبر او سلاسل؟
بممارسة الرفض؟
بالتنظير لكفاح الطبقة العاملة؟
بالتشديد على المطالبة بإطلاق الاسرى؟
او سيسرح بطرف شالها حين مرت قرب شباكه المغلق على الصمت قبل اسابيع؟
لم يعد يريد لها أن تأخذ اي مكان في ذاكرته و لا لحظاته و لا غده
يريد ان يقتلعها من صدره وروحه
ولكنه يدري تماماً: كلما تجذر فينا من نعشق أكثر, كلما تطرفنا في أحد خيارين: أما التمسك به حد الحياة , او ابتعدنا عنه حد الموت
وهو يعشقها هي
يمغصه امتثالها الغبي لما يقوله فلان و علتان, ويعشق امتثاله لغواية رموشها حين تصفقان كجناحي فراشة حين تخجل على مرمى كلمة, ولمسة مسروقة من كل "المفروض"
اشياء كثيرة "مفروضة", أكثرها إلحاحاً الآن أن لا يفقد حواسه الحاضرة و يغرق في سرحانه معها
فكل هروبه اليها_ولو للحظة تذكر_ خطوات الى الوراء, ومن يحمل صخرة خياره, لا خيار له سوى المضي قدماً
يحضر الفناجين, سيأتي الرفيقان عما قليل
سيجد لبعض وقت مكرور, من ينتزعه من براثن السرحان, والذوبان في حالة اللاذاكرة و اللا نسيان
:
يطفئ النار, تحضره ابنة أخته اللذيذة كقطعة شوكولاته مرة: ستشتهيها حد البكاء, ومع أول قمضة او اثنتين ستشعر أنك مملوء بطعمها اللاذع
هكذا الاطفال: شوكولاته مرة, يكفي مرور ربع الساعة الاولى معهم كل مرة حتى تعافهم, ومن ثم تعاود اشتياقهم من جديد
ابنة أخته الصغيرة, يقول لها "اطفي الضو" فتنفخ على اللمبة, ويغرق البيت بالضحك و تغرق هي في حضنه المبثوثة فيه رائحة الاستعجال دائماً
يفكر أنه لا يعرف بقية اولاد اخوته كما يعرفها هذه الشوكولاته.
يقرر: لو خرجت ذات شمس من شرنقتي هذه, سألعب معهم في الحاكورة, وسأعلمهم رشق الاحجار على وجه الماء و سأسألهم كيف يطفئون الضوء
:
يرى إلتماعة, وأخرى: هذه اشارتهما, وصل الرفيقان قبل سرحانه الليلة
يفتح لهم منفذاً لغرفته _الشرنقة, ويحضر الشاي مع سيجارة تحترق على طرف شفتيه المتشققتان عضاً متوتراً ومتواتراً
يشم يدي أمه مع تصاعد البخار المشحون دفئاً, تعصف به صورته معها و حبيبته المنفية من قلبه بإصرار يشربون الضحك و الفرح بطعم النعنع
"صباح الخير"
هلا رفاق_
يستلم منهما اغراض ارسلتها امه, وبين الاكياس, علبة شوكولاته وخبز طابون
ودمعة تكابر ان لا تلمع فيفتضح مكانه الذي في اللامكان

طعم القهر المدمي

لا أعتذر _تجاوزاً_على قفزي فوق "العد" في قصص الزمن المر
فهذا يوم مرير و مر اكثر من زمن بأكمله
:
ثم هذا صبحك يا شاتيلا؟
بقايا لمسيرة أُجلت حتى الخامسة مساءً,
الحضور لم يكن كبيراً
كان أقل من مساحة المقبرة المنفلشة على الوجود
والشارع لسان يتلوى حتى يلعق بدايات أفق غير مرئي
بسطات وصراخ باعة وركض حفاة صغار على أرض مغبرة باللهاث الأحمر
ويكاد المؤذن ينهي يوميات اللسان بآذان لظهر يشبه عصر يشبه مغرب يشبه كل وقت
إذن, هذا صبحكِ اليوم يا شاتيلا؟
عما قليل, في مقبرة الشهداء: ستعزف عينا أم وتسكب الشجن دمعاً:
على من تعرف أن لهم قبوراً,
ويغص قلبها بالوجيعة على من لا تعرف لهم مصيراً
ستخجل شمس الظهيرة, فما من شعاع ألمع حرقة من باذخ حزنها الأسمر
وحين المسيرة, سيذهب العشاق الصغار الى احتلال زوايا الساحة المتربة من دوس الاقدام, ودعس القلوب
ثمة مجرم لا يزال طليقاً,يضحك بخبث و ينفث سيجارة وفي نفسه يجّود" لقد نجوت بالنسيان"
والحاد كنصلٍِ من قهر حبيس في الروح لا ينسى
ذات ذكرى, سينداح عنه الصبر و يشتد في صمته الصوت
ويدوي عالياً حتى يفيق أهل المجزرة
سيفيقون ويضحكون: للعشاق الصغار المختبئين في هول الحدث
وعلى المجرم الذي يظن أن دورة الفصول تتغير
وللأم التي لا تنسى
وعلى من نسوا وقت المسيرة_الوفاء
القهر خط على وجه السماء حين إستوت بزرقتها: مطر ,فورد ,فنار, فدم
والمجرم من يظن أن اللسان ينسي طعم دمه

قصص الزمن المر 1

ركضت إليّ "كارول" فور عودتي من بيروت الى مركز النازحين الذي اقرأ فيه قصصاً للأطفال
وكارول طفلة من جنوب لبنان, طفلة اكتشف اهلها معنا إثر نزوحهم إصابتها بحساسية جلدية تجعل جسدها يطفح ببقع حمراء تحكها حتى تسيل دمائها و معها دموعها و دموعنا.
كل يوم, نحتاج ان نقيم مهرجاناً من الضحك و الاغراءات لكارول كي ترضى بأن ندهن قروحها بالدواء ومن ثم نغسله بعد خمس دقائق.
اليوم اتت الي_ بلا اي دافع او اغراء بعلكة تحبها او بوظة مثلاً, وارتمت في حضني و سألتني ببراءة سنواتها الثلاث الا قليلاً "رح نموت نحنا؟"
صعقت, ماله حديث الموت يطاردني حتى الى العيون المفعمة أملاً مفترضاً بالحياة؟
سألتها بعد ان منعت دموعي بصعوبة" ليش هالحكي يا كوكو؟"
وحكت بجمل يقطعها الهلع عن "اولاد مايتين و الحجرات عليهم"
أسألها أين رأتهم" بالتلفزيون, وماما و كلن كلن بكيو كتير كتير"
ثم تعاجلني "ليش بس يبكوا الكبار ما بتقولوهم إسكتوا؟"
صحيح يا كوكو الجميلة, لماذا لا نقول لهم ان يسكتوا لأجلكم؟
ربما لأنه من الممكن فعلاً ,و في جيرة غير مرحب فيها كجيرة الصهاينة,ان لا يستطيعوا حماية براءة كعينيكِ
وممكنٌ فعلاً ان تكونوا انتم يا حبيبة قلبي "مايتين و الحجرات عليكم"

قصص الزمن المر

"ماما ليش جبتينا لهون؟ هون كمان في منهن"
ومريم ذات الاعوام الثلاث تقصد ب "منهن" القنابل المضيئة التي رأتها في بنت جبيل حتى اليوم الثاني عشر من العدوان قبل ان تتمكن امها من النجاة بها و اختها من الجنون المستعر في تلك القرية الجنوبية التي كانت قبل ايام الجحيم هذه وادعة و رائعة.
مريم تغفو باكية في حضن امها , هي تريد اباها الذي "بعدو بالضيعة عم يعمل واجبه" هكذا تجيب امها بكل بديهية كأنها تلقي تحية صباح الخيرو حين نسألها اين زوجها.
تأتي فاطمة, اخت مريم ذات الاعوام الخمس قرب امها, وتهمس" يا امي, رح يقصفوا هون كمان؟"
نتطلع حولنا, نحن الكبار, ليس ما يوحي بامكانية القصف هنا, فلماذا تخاف فاطمة؟
تقول لها امها و نؤكد نحن على كلامها "لا حبيبتي , هون ما بيقصفوا"
تخبرنا امهما ان البنات تعودّن منظر القنابل المضيئة في القرية, وللآن يعتقدن ان الاضواء المتناثرة على رؤوس الجبال المحيطة بالقرية التي تهجروا اليها في الجبل, قنابلاً تخيفهم و تتسبب في جعلهن يتبولن في فراشهن ليلاً كلما سمعن صوت الغارات الوهمية او مجرد مرور الطيران في سماء الجبل الذي لم يتعرض _تاريخياً_لقصف صهيوني معادي.
تضحك "ام البنات" وتقول: صرت عم بستعمل حفاضات لكل القياسات: خمسة و تلاتة
ثم تذهب ببناتها الى الغرفة المستحدثة لإيواء كل عائلة على حدة في المركز الذي نزحن اليه مع افراد عائلتهن من نساء و أطفال, اما الرجال, فكما صرتم تعرفون معنا" عم يعملو واجبهم بالضيعة"
سوء الاتصالات في لبنان بشكل عام ,و بالذات في منطقة الجنوب و خاصة بنت جبيل التي انقطعت اخبارها عن العالم الا فيما يخص المعارك الدائرة رحاها على تخوم القرية بين الرجال الذين يقومون بواجبهم ببساطة و بين افراد لواء "غولاني" المفترض حسن اعدادهم و تدريبهم بحيث ان اسمهم لطالما اخاف الكثيرين لمجرد ذكره , هذا يجعل من الاتصالات مع من بقي في القرية مهمة صعبة اذا لم نقل مستحيلة.
بعد عودتها من مهمة وضع البنات في الفرشات التي يستعضن بها عن اسرتهن في هذا النزوح الاجباري, أسأل امهن كيف تطمئن على زوجها؟
تسرح عيناها مع النجوم التي تملأ السماء , وتضيء فيهما دمعة قبل ان تتنهد و تجيب" بعرف انو عايش لأنو ما قالوا بالاخبار انو استشهد"
تصمت للحظة ثم تعاود" الله يحمي شباب المقاومة"
يسألها صديق" بتفكري شو ممكن يصير لو استشهد جوزك؟"
لا تترد في الاجابة " بيكون شرفنا و شرف ضيعته والمقاومة"
يعاجلها" طيب و البنات؟"
"البنات؟" تسكت للحظة ثم تكمل: "البنات , بيكبروا ع انهم بنات شهيد"
تتعالى دعوات النساء الجالسات في الحلقة الساهرة حولنا لله ان يرده سالماً لبناته و يحفظه لشبابه و الوطن, تخفي زوجته الشابة دموعها و تتمتم بآيات او ادعية قبل ان تقول بصوت متحشرج "تصبحو ع خير"
بعد انسحابها الرقيق, كملامح وجهها, تحكي النساء الساهرات معنا عن ادبها و حسن تربية بناتها.
تقول قريبة لها" بالضيعة بتستحلي تشوفيها بتحكي كلمة ع فلانة او علتانة, ست بيت حاطة هالبنات وعم تربيهم, الله يرد جوزها و الشباب سالمين"
قبل ان يستلم الحديث لسان آخر و نسمع غارة, ودبيب قصف: تتعالى صرخات الاطفال و تقفز الامهات عن غفوهن الخفيف الى الخارج لتفقد مكان الاستهداف, لا يمكننا ان نحدد ما يحدث حقاً :فوضى اصوات و ضجيج الهلع يصم الاذان, ثم تهدأ اصوات السماء.
اما على الارض, يبقى الاطفال يذهبون بحناجرهم و خوفهم البرئ في نوبات من بكاء تسحب قلوب الامهات و كل الموجودين من متطوعين و شباب الى القلق عليهم هم بالذات من ويلات هذه الحرب.
بعد قليل, حوالي نصف ساعة ليست قليلة ابداً في مثل هذه الاوقات العصيبة, تعود جوقة الملائكة الى نوم قلق.تنضم ام البنات الى حلقة السهر المتوترة, فما من سبيل الى نومها بعد, رغم ان" البنات "ناموا"بحسبها.
نتسامر قليلاً, كل يحلل ويتوقع من جهته, ونحن مستغرقين في الحديث, تتسلل فاطمة بيننا وتشهر طفولة سوألها الحقيقي بوجه نضج كلماتنا الباهتة "مش قلتولي هون ما بيقصفوا؟" ثم تلتفت الى امها بعتب
" ليش جبتينا لهون, كنا ضلينا بالضيعة حد بيي"