والعد بالعربي

حين اخبرتني ليلى انها مشغولة بالتحضيرات لذكرى النكبة الشهر المقبل, وألحقتها بآآآخ طويلة
كان ردي المباشر: ياااااااااااااه, 59 سنة مقاومة ورفض يا ليلى

مرت 59 سنة و لم ينكسر حلمنا تحت وقع سوط الحديد المسلط على دقائقنا و ايامنا
ذهب الذين ذهبوا الى حتوفهم البديعة او منافيهم المختارة, والارض قضمها بعض الوجع و لكنها لم تزل تُطلع زيتوناً بطعم كرامة و شقائق نعمان و هذيان و زعتراً يعبق برائحة الحرية, والشواطئ لم تزل تودي مع ملح موجها سلامات الاهل لبعض الاهل الذين غابوا وراء حدود وراء حدود

مر الكثير: الناس كلحت وجوههم و ما كلّت قلوبهم من فضيلة _او لعنة _الأمل العنيد
والبلاد المثقوبة بايمانها بحق عودة غيابها لتحضن اشتياقهم ما تعبت لدرجة تسليم بساطيرهم طراوة ترابها و لزوجة اغاني حصادها و اهازيج عودة صياديها بالخير الى المرافئ العتيقة

مر الكثير, وعدينا (من العد و العديد) سنة وسنة و ذكرى بمجزرة بمجزرة و تواريخ الاحتلالات وعيون الشهداء و قصص حب و انتظار و جنون مبتورة و حكايات كبرت خارج الزنازين في زنزانة كبيرة اسمها هذه الارض

مرت 59سنة نكبة و 40 نكسة لم تنكبانا بخسارة الامل و لا بانتكاسة الحياة المتوثبة في دمنا وفي نسغ الارض

فثمة فينا من يمارس عداً مختلفاً, أنا مثلاً أعد بالعربي سنوات اخرى: أعد 24 سنة على "يا اهالي بيروت لا تطلقوا النار , جيش الدفاع الاسرائيلي ينسحب من بيروت", وأعد 22 سنة على هربهم الشهير من غضبة صيدا و صور. وأعد 10 سنوات على رفع سواعد شباب بلادنا اسواراً زنرت ارنون و احلاماً عالية بوهم المستحيل

وأجمل العد :7 سنوات مجيدة مضيئة على اندحار الجيش القوي ببساطيره و اساطيله و تجهيزاته وعملائه من ارض جنوب لبنان, شمال فلسطين التي لا ترضع الا الرفض و لا تُنبت الا الحرية
وسنتين على ضرب مشروع الاستيطان المتوسع كأذرع اخطبوط شرير في غزة, جنوب فلسطين, جنوب القلب

والابهى: ان لا عدّ نعده نحن منذ صيف 2006, بل يعدون هم, يعدون بالعبرية و العربية و بكل ارقام و حسابات الدنيا, يعدون و يعتدون بوعد "إن عدتم عدنا" اااا

بالعربي, بالعربي جداً, نكمل عدنا انتظاراً كي يكتمل الحمل بحنيننا لتضع بنا الدنيا اوزارها هناك على "شط الزاتون , شطي و الارض عربية" ااا

ريحة حكي

لهذا الصمت ينقصف الحكي


الكلمات تصطخب في الروح و تعن بأنينها المتواصل


تذبل اللغة على عتبات القلب, ولا تسقيها حتى الالتفاتة العارضة العابرة للكلشي


فـ: انت و عم تغطي المسافة بالوقت, خلي أطرافهم مي

عسى لا "تفل" النجمات من قلب اخر, واخير
























الاغنية التي اقصد هي "ريحة شتي" و احب كذلك"صوتك مرق", ولكني لم اعرف كيف انزلهما هاهنا

بحر صور
















ومرات


مرات _بس مش زي اغنية اميمة الخليل بتكون هالمرات_ بيغمرني شعور حقيقي بالحاجة للاختفاء

بحس بدي ارجع طفلة تصدق انو في طاقية اخفا ألبسها و اصير مش مرئية. بس ما بقدر: لا طفلة برجع و لا الوهم الغبي تبع طاقية الاخفا بيصير قابل للتصديق!

وبيحلالي المثل تبع"يا ارض انشقي و ابلعيني" و بصير امشي اضرب رجلي بالارض لعل وعسى بتنشق من شي جرح زغير بخاصرة ترابها الرخو, بس برضو بتعاند

بجرب اتذكر الاشيا اللي ممكن تخليني احس برغبة انو اقوم من حالة هالمرات البشعة بحياتي: بتذكر الاغاني اللي من زمااااااااااان سمعتها و بتناسب مزاجي هلق. والافلام اللي كل ما بحضرها بحس كأنو أول مرة بشوفها و بقعد ببكي او بضحك عليها بجنون.والحكي الطويل لنصاص الليالي المغمس بضحك و دموع. عيون الاصحاب اللي دايما موجودين و جاهزين يدعموا خيارتي المجنونة بالحياة لأنو بدهم اياني اخوض تجاربي. الكتب اللي عم تبق من مكتبتي و كل الاسطح بغرفتي. بتذكر الموسيقى اللي لسه ع السيديات ناطرة اسمعها و الطرقات اللي بعد بدي امشيها, وبتذكر الطعمات الغريبة للشوكولاته اللي بعد بدي ادوقها و الاطفال اللي بدي اتعلم معهم كيف اندهش بعد بتفاصيل الحياة اليومية الصغيرة اللذيذة

::

بقعد بتختي لاهرب من الذاكرة, وما بهرب من شي

صرت بشبه هالذاكرة لدرجة انها مش ممكن تنسلخ مني ولا عني بأي شكل, حتى لو بدي

اصابعي عليها باقي شوكولاتات ساحت بايدي و انا عم بتلذذ بطعمها. عيوني حواليها دوائر سودا من السهر على قراءة كتاب بيستفزني التهمه مرة وحدة.
جسمي لوحدو بيتمايل ع وقع موسيقات بحبها.
افكاري و طريقة حزني بتشبه اصحابي اللي بحبهم كتير و بعرف انو رح يجنوا وقت يقروا هالحكي مني انا بالذات.
والافلام اللي بتشبه حياتي. وبصير بسأل حالي اذا حياتي بتشبه الافلام او انا بدي اعيش حياتي زي الافلام؟
والاغاني اللي بتأرخ لحياتي: منير و فيروز و الاغاني الغريبة اليل بحبها وما بتشبه الذوق العام بس بتحكي عني انا شو بحس و بشو بؤمن و كيف بحب اقضي اوقاتي.
رجلي بتصير تحكني انو لازم نمشي اخر طريق الناقورة, مطرح ما ممنوع نسوق السيارة و فينا ننزل نتمشى نتفة زغيرة بس لحد مركز اليو إن ومن هونيك اشوف شوي من فلسطين اللي متأكدة انو رح ترجعلنا و نرجعلها , وابكي كتير
واصير اسأل حالي: عم ببكي لأنها هالقد بعيدة او لأنها هالقد قريبة؟

::

بصير اتذكر و افكر بشو عم بتذكر, المشكلة انو هالاشيا مش بحاجة اجتهد لأتذكرها. اشيا موجودة في كل هالقد وواضحة فيي كل هالقد مش بحاجة لاستجلابها من اي ذاكرة

بتسلى مع حالي بأنو افكر بأشيائي, بصير بنسى انو بدي اختفي, طول ما انا قاعدة بالشرنقة اللذيذة الدافية اللي اسمها تختي يا الله شو بنسى اشيا!

بحضر بس انا باشيائي الاقرب و الاكثر اهمية, ومع حالي ما بدي اختفي و لا بدي الارض تنشق و تبلعني. مع حالي بدي اكون و ابقى . مع حالي بقدر استرجع هالطفلة اللي كانت دايماً مستعجلة تكبر و ولا حدا قاللها : لا, خليكي صغيرة

بصير بضحك مع حالي ع ذكرياتي مع اخواتي و هبلنا الحلو, ببكي لما بفكر بأنو بابا مش رح يفيقني بكرا الصبح لنتروق سوا كعك و حليب. بتقهر هيك افكار, بتقهر كتير انو تفكر انو بدك تروح زي حدا بتحبه كمان راح وتركلك كل هالفراغ بغيابه, وبصير افكر: كيف انا بدي اعمل هيك باللي بحبهم؟

بفكر بماما اللي قاعدة برة عم تقلق علي _زي العادة_ انو صح انا بطتها السودا, بس يمكن بالقليلة تشتاق لضجتي بالبيت ولأخباري و حكيي و خناقاتي انا و اخواتي ع اتفه و اهم الاشيا.
وبفكر باخواتي: يعني معقول ما اكون بتخرجهم و ابكي فخر و فرح و كمان حزن انو لهالدرجة كبروا؟
بفكر بعمتو اللي مبارح مر عيدها و قلتلها قديش بحبها , وما قلتلها انو صعب هالتاريخ عليي دايما: عيدها هي و غسان الرفيق, وذكرى هيديك المجزرة و تاريخ احتلال بغداد "لأنو بغداد ما سقطت, بغداد إحتُلت", وكمان تاريخ عملية سناء الصبية اليل فجرها القهر و الشرف سوا.

وبفكر برانيا اللي لو بتقرا هالشي رح تخوت علي و رح تعملي معلقات حب و دعم حقيقين من كل قلبها و روحها. و بمينا اللي قعدت اكاسر عليها انو ما بيصير تستسلم للحزن و انا عم بتركه يفترسني بطرق اكثر هدوءً ووحشية كونه صامت.

بفكر بأندرو اللي عندو ألف مشاغبة بعد, وبزياد و بوسات السماكة تبعه كل يوم, وبالقطط اللي بخاف تلمسني و الأم علي "حبي الله طيري" (هي حشرة الدعسوقة باللغة العربية و بالانكليزية Lady bug)اللي بتفاءل فيها.
بفكر بناي و سارية حبيبات قلبي اللي بيفاجئوني قديش بيكبروا كل مرة بشوفهم فيها, و بأسنان احمد الحليب اللي عم يطلعوا و بيعضعضلي اصابعي فيهم.
بفكر بالناس, وبالبحر و بالاشيا اللي بتضل حلوة وعايشة و حاضرة لو غبت, بس بفتقدها و بتفتقدني ع طريقتها لو غبت.
::

بقرر انو اقوم من تختي, بعرف انو هالخطوة برا شرنقتي الخاصة رح تبردني شوي, ورح تضيعلي شوي من تفاصيلي الحميمة. بس شو نفع اضل انا وهني بالتخت و الحياة فايقة و رايقة برا و ماشية مع الماشيين صوب الضو و انا باقية بعتمة الوجع و رطوبة دموعي؟

بقوم, وبجي بسمع اغاني وبعمل فنجان شاي بنعنع وببلش اكتب كل هالاشيا.
بحس اني دفيانة هلق بغير شعور, شعور قوي بيرفض بشاعة احاسيس مغيمة جواتي, وبيخليني دايماً الاقيلها طريق لتصير مجرد بوست ببلوغ و تنرمي بذاكرة فعلاً بيصير صعب استجلابها منها, لأنها مش كتير رح تكون مهمة وحاضرة في لما بعد شوي رح ألبس تيابي واجيب شوكولاته بحبها لأكلها وانا عم بسمع موسيقى و اسوق السيارة لاخر طريق الناقورة وبعدين امشي شوي لأشوف فلسطين , هالقد قريبة او هالقد بعيدة, و اقللها بدموعي: جايي جايي من الجبل جايي و السما زرقا و الدني مضواية

ثمن باهظ يا صديقتي

الو
هاي

كيفك يا بنت؟

ولك هايات, انا مشتاقتلك كتير, انتيِ كيفك؟

هياني, هالبيت و الولاد

هههههههههههههههه, طب ليكي, اذا الحكاية شرح يطول, اطلعي نت, انا اونلاين و منحكي.

ولك بنوت انا مشتاقة اسمع صوتك.
ههههههههههههههه, صوتي و سمعتيه, اطلعي نت اوفر لانو القصة بدها شروحات و استطرادات يمة.

اوكي, بشوفك

يللا ناطرتك.

::

نقفل سماعات الخلويات, وننتقل الى ازرار الكي بورد.
هذا السيناريو المتشابه جداً مع سيناريوهات حديثي مع صديقاتي منذ استعضنا عن عناقاتنا و جلجلة ضحكاتنا و مرارة دموعنا بالعناقات الالكترونية الغبية على المسنجر, او بتلك القبلات "الحريمي كتير" كما يصفها احد افضل من عرفني عليهم النت, ومنذ صرنا نبكي افتراضياً بدموع من جزيئات بصرية.

تأتي "أم أيمن" بأخبارها عن البيت و عذابات الاولاد ومتطلبات الزواج, وتحرص _كالعادة_ على تحذيري: عيشي. طالما ما عليكي مسؤوليات عيشي و كتري.
واشعرها تكاد تضحك سخرية من بين دموع قهرها.
أراها بقلبي, تمسح دموعها بطرف كمها ( لم تتخلى عن هذه العادة, أعرفها) وتسألني: انتي بنوت كيفك؟
اخجل من همي ,ماذا اجيبها؟
اقول لها ان دنياي بخير و ان الحياة طيبة معي رغم قلة عدالتها.
"انتي يا بنوت بتستاهلي كل خير"
لن اكبر يوماً بالنسبة لها, لا زلت بنوتتها, الصديقة و الاخت و اكثر من تشاجرت معه في حياتها ( اعتقد اكثر مما تتشاجر مع حماتها)

ماذا اقول لكِ يا صديقتي؟
أقول لكِ ان مسؤوليات قلب عاشق لا تقل جسامة عن امومة و زواج و دعامة اسرة و فتح بيت؟
أخبركِ أن ثمة نضج لا يتأتى عن توقيع ورقة في سجلات تحتفظ بها المحاكم؟ بل من بصمة بالدم ان ثمة وطناً له ملامح رجل مر بالحياة فصار لها معنى و قيمة اعلى؟

ستتصلين بي كلما عصفت بكِ رياح كلام يريد ان يعوي وجعه للبنوت التي" تستاهل كل خير", وسأمازحك:" النت اوفر وفينا نقر عليه كتير, يللا انا اونلاين."
ستزفرين ضيقك من تقليد "البقرة الحلوب" : ولك اذا بترضعي ولد, يعني جهوزية لدر الحليب بأي وقت و أي ساعة و تحت رحمة _ او تربص_ اي نظر, والا انت أم عاطلة بتخلي ولد يفحش بكا وما بتسدي جوعته.
وسأقول لك ان هذا جزء طبيعي و أساسي في الامومة يا غالية.
وسنضحك: مش متخيلتك بقرة!
هههههههههههههههههههه, اصلاً مش قابضة لهلق فكرة انك "مدام", بدك انك مدام+ بقرة؟ههههههههههههههههههههههه

تضحكين, اراكِ.
أراكِ صديقتي, ارى وجهك, لا ذلك الوجة الاصفر الغبي الضحكة على البريد الساخن ( اتذكرين كم ضحكنا ونحن نترجم حرفياً بعض الكلمات؟ هوت دوغ = كلب ساخن.)
ارى عيونك تغوصان في تجويفيهما في الجمجمة, وتسحبان معهما جلد بشرتك.
ارى شفتيكِ تتسعان و تكشفان اسنانك ِ ليسمحوا لجلالة صوت فرحك بالدوي في قلبي قبل اذني.
لكِ إبتسامة اسطورية, ابتسامة ككتاباتنا التي آمنا يوماً أنها ستغير العالم ( اتذكرين تلك الليلة الشتوية حين قرأنا و بكينا حتى الفجر القارس, ثم مشينا الى اطراف قريتك تحت المطر لنتذكر يوماً ما ان صداقتنا لا تعترف "بالعادي"؟)
ها نحن لا زلنا غير اعتياديتين.
من يصدق اننا لم نلتقِ منذ ليلة عرسكِ؟
وأننا انقطعنا عن التلاقي ولو على رقم هاتف لفترة عدنا بعدها لأجدك حاملاً , ولتجديني في مشروع زواج انتِ اول من شجعني على الاحتفال بفشله؟
من يصدق انكِ لا زلتِ تتقمصين فرح و دمع ما أكتب, كما لو أنك انا و لو اني اكتبك انتِ ولا اكتبني؟
من يصدق؟
::

انا لا زلت اكره الجوكندا, هل صرتِ انتِ تحبينها؟
هههههههههههههه, جيج ( لا زال بامكاني ان ادللك هكذا, اليس كذلك؟)
بربكِ؟ كم كنا متفلسفات رائعات و نحن نسرد اسباب كرهنا لحيادية الموناليزا, او الجوكندا؟
في اقل من دقيقتين كنا قد اوردنا الف كلمة كلها تعني اننا نشترك في كره بلاهتها.
نظرتِ الي برقة يومها_كعادتك: يا صديقتي عيونك مجبولة بالحنان_ وقلتِ لي بوقار سنوات تكبريني بها: دخيل قلبك يا بنت, متل البهارات ع الاكل انتي.
لحظتها نظرت اليكِ باستغراب, لم أفهم أن قصدتِ مدحاً ام ذماً بي.
ولكن منظر تعابيرك اللاجوكندي جرني معكِ الى احتفال صاخب بالضحك و التعليقات اللاذعة المرارة والمركزة السخرية على ثقتنا بأننا يوماً سنغير العالم.

هل غيرنا العالم؟ او على الاقل شيئاً واحداً فيه؟
اصلاً هل يعلم اولئك الذين غيروا وجه العالم انهم كانوا يغيرونه في يومياتهم, ام انهم كانوا اناساً عاديين يعيشون حياتهم مثلنا هكذا, مع فلسفات صغيرة و احلام اكبر من ان يكفيه عمر واحد ( قبل الزواج طبعاً, فالعمر بعد الزواج منذور لتوفير حليب البقرات و للقيام بدور الات التنظيف المتعددة الاستعمالات كافة. ما اروع النساء, توفير جهد وطاقة ومصروف على مدى العمر بضربة ذل-ذكاء عنوانها "زواج")
::

ههههههههههههه
لنضحك مسنجرياً يا صديقتي.
لا زلنا متفلسفتين.
هههههههههههههههههههه
هل سنغير شيئا في هذا العالم ؟
طبعاً غير اننا قمنا طويلاً بكسر كل مفهوم "للعادي" قبل ان توقع بك اكثر الطرق "عادية" في حب رجل "عادي" ثم الزواج "العادي" به و الانجاب لاطفال"عاديين" , والتحول "العادي" الى بقرة متنكرة ( ههههههههههه, اتخيل ملامح قهرك و انتِ تقولينها)
كلامنا معاً هو الفعل اللاعادي الاخير الذي تمارسينه.
ادري, ولو انك لن تقوليها.
جيج, لما قلتِ لي: سأتزوج, ثرتُ عليكِ, وقلتِ: أحبه!
أتذكرين؟
أخذك الحب منكِ ومن شوارع تنتظرنا نتظاهر فيها و من بلاد تحتاجنا نناضل لأجلها اكثر, أخذكِ الحب من ومن ومن ومن ومن ...........من كل ما أحببتِ حقاً وزرعكِ الحب في تربة بلد اخر, نعرف الآن جيداً(الاهم انك انتِ تعرفين) انكِ لن تورقي فيه و لن تزهري الا قهركِ و "قلة بختك"
صار حديثنا و اشياء قليلة اخرى مهربك ومخرجك و نافذتك على العالم "اللاعادي" الذي هجركِ منه حبكِ السريع.

كيف أجيبكِ حين تسأليني: كيفك انتي يا بنوت؟

اووووووووه يا صديقتي!
من أجيب الآن؟
هل انتِ جيج الآن ام "ام ايمن"؟
حين قررتِ ان تسمي "ايمن" , قلتِ لي: شو رأيك؟
ولم اواربكِ, كعادتي: اسم يامن اراه اجمل, وكذلك مشتق من اليُمن.
لكن زوجكِ أراد ايمن, وانتِ لم تعترضي.
انتِ التي حملتِ في وقت ما كنتِ لتتصوري قبل سنة ان تتحولي الى ام خلاله, وكان حملاً بتوقيت خاطئ, وهذا بإعترافك, ثم أنجبتِ صبياً ( لا زال بامكاني ان اتأمل ان انجب بنتاً اولاً اذن, فأنا لم احرق حظوظي بحمل معجل وفي مزاج لا يقارب الامومة قدر مقاربته شهوة الالتحام السريعة مع "حبيب" متنكر بلقب زوج يُرضي المجتمع والله و الدين )

وسميته ايمن: صبيك الجميل, ربما الاجمل بين تبعات زواجك "العادي".
لاحقاً كان علي ان اكتشف ان حبي لاسم يامن لم يأت من انه فقط من اليُمن, فقد عرفت الشهيد يامن فرج. ذاك الفلسطيني الاخر الذي لم يدري ربما وهو يطلق اخر رصاص قلبه كرامة انه يغير في العالم كثيراً.
ربما فكر انه _فقط_ يحب فلسطين على طريقته ورفيقه امجد مليطات في لحظة الولادة المستحيلة من رحم الحياة الى تراب الوطن.
( اما امجد, فلو تذكرين, لنا مع المجد واسمائه حكايا: امجد احدها! اراهن انك لم تنسي, بل تتظاهرين بذلك, فقد سميتي ابنك الاخر اسماً دينياً. لعن ربك طقوس تحولاتكِ وكل ما رافقها من اشارات لن اصدق انها منكِ قط)

فيا أم ايمن,يا من حملتِ هذه الكنية الابدية باختيار زوجك ولا اعتراضك, كيف اتوقع ان تفهمي ما قد اجيبك عنه صراحة لسوألك؟

سأحاول, كرمى لشيء غامض فيّ يقول لي ان جيج لم تمت فيك تماماً, بل تحرص على اخفاء جمرها تحت رماد"العادي" الذي صارته حياتك.

اااااااااااااخ يا صديقتي.
لن تصدقي كم كبرت "بنوتتك"!
كبرت ربما اكثر منك في 3 سنوات زواج وكل ما جره من حياة" عادية" لعنت سنسفيل استثنائيتك في اغلب الاشياء, ونجوتِ في قلة منها كأن بقينا على صداقتنا اللاعادية حقاً .
لا.
لا استطيع ان اجيبك.
لقد حاولت, لكن لا.
هل تتوقعين اني قد اجازف بوضعكِ امام فداحة اكتشاف كم تغيرتِ في زواج؟
حسناً يا صديقتي.
"نحن نختار معاركنا" كما يقول الاسكندر. وانتِ اخترتِ, لا ألومكِ.
فها أنتِ تتحملين, وستحملين, وزر اختياراتك لاقصى اقصى ما تستطعين التنفس في عبقتها _لا عبقها.
اما معاركي انا, فدعي لي وحدي ان انهزم على اعتاب نصرها المستحيل.
فلهذا, هذا التضاد الهائل, هي معاركي.
تشبهني اكثر من تشبهكِ معركتك السريعة التي خسرتِ فيها كل ما جعلكِ يوماً "جيج", وما ربحتِ "ام ايمن" وعل كنزك الاثمن الذي وجدته هو أيمن وعمر.
طيب: لا اريد ان ادخل في حسابات التجارة, فهذا ليس صف ضرائب.
هذا حديث صداقة تطورت مع العصر وصارت الكترونية.
هذا كان ليكون بوح "لا عادي" في مدينتي الساحلية ذات قمر, ثم ركض صباحي الى موج يداعب شاطئاً كسولاً على اسثنائيته.
ولكنه لم ولن!
هذا بوح لأوراقي_عفوا لجهاز كمبيوتري_ في حضرة "لا عاديتك" يا جيج.
انت لم يعد بإمكانك الا ان تكوني ام ايمن يا صديقتي.
وليس باختيارك هذه المرة, بل مرغمة يا اختي, ولستِ بطلة!
ماذا اقول في اجابة مفترضة عن سوأل ما عادت خياراتك كزوجة و أم تسمح لكِ ان تنتظري حتى تسمعي جوابه كاملاً؟
اقول لكِ: سأسكت عنكِ ام ايمن. وابكي الي قليلاً.
فزواجكِ قد خسركِ "لاعاديتك"
ودفعتِ و انا معك ثمناً له بعض "جيج"صديقتي
كم باهظٌ هذا الثمن يا صديقتي لزواج, كم باهظ لزواجكِ العادي ايتها الاستثنائية انتِ











رفاقي الصفر

بأبسط تعريفاته عندي : اليسار هو "الضد" ا
ضد السلطة و ضد القهر و ضد القمع و ضد الظلم ومصادرة حقوق الناس وضد كل ما قد يهمش ويهشم قيمة الانسان
تعريفي هذا نابع من قناعتي بأنه يستحيل ان أكون ولو للحظة في صف اليمين بمعنى موالاة السلطات والدفاع عنها وعن مصالحها, اياً كانت هذه السلطات من سياسية الى اجتماعية وصولاً للسلطة الابوية
ورغم يقيني بصحة ما أؤمن به, والذي تؤكده لي التجارب اليومية, الا أني أجد نفسي دوماً محتارة في تصنيف دعمي المطلق للمقاومة الاسلامية في جنوب لبنان ضد العدو الصهيوني, وأنا العلمانية بإمتياز و التي تختلف مع منطلقات الدين و الايمانات بالغيب في كل تفصيل و جزئية في الحياة وما بعد الموت
فهذه المقاومة هي بالاصل وليدة من رحم حزب ديني يميني بإمتياز. وهي استغلت كل فرص الصعود على ظهر, ولعلها جثث الاحزاب اليسارية التي شكلت فيما مضى عماد المقاومة الشعبية و العسكرية عبر "جمول" مع بدايات الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982
وهي المقاومة التي وراء ظهرها حزب ينسب النصر لله ويقرر هكذا وبجرة شعار ان يصادر حقي وغيري في التباهي بأننا جزء من هذا النصر المتجدد على الصهيونية كتنظير وممارسة لمشروع القطب الواحد للسيطرة على مقدرات العالم عبر تقاطع شبكات المصالح والمال و السلاح والسلطة
والمقاومة الاسلامية هي التي تتجاهل لليوم ممارسات الجيش السوري ايام تواجده في لبنان و التي سماها الرئيس السوري بشار الاسد بالاخطاء. هي في بعض الزوايا خطايا لا يمكن العبث في محاولة تغطيتها او توريتها او محاولة تخفيف وقعها بإطلاق اسم دلع عليها هو "خطأ"
وحتى كل محاولات اكثر المواليين والمستفيدين من علاقاتهم مع النظام السوري سابقاً او الآن عدم الاشارة الى سوء وفداحة هذه الممارسات بحق اللبنانين والسوريين معاً, لا تنفع في جعل الناس ينسون مرارة و هوان ما لاقوه على ايدي ازلام غازي كنعان ورستم غزالي في لبنان.
وهي كذلك المقاومة التي ترفض التدخل الامريكي و الفرنسي في شؤون لبنان الداخلية و بذات الوقت تنتظر مع باقي الفرقاء السياسيين في
لبنان نتائج مباحثات العاهل السعودي مع الرئيس الايراني في الرياض على احر من الجمر لمعرفة ما سيسفر عنها من اتعكاسات على الوضع الذي طال ضيق الناس برتابته و ضيق افقه.وهي المقاومة التي يمكن ملاحظة التنظيم الدقيق المستمد من قوة "التكليف الشرعي" الذي يحميها اجتماعياً وسياسياُ بين الناس لدرجة تطوعهم بالمجاهرة و بكل فخر "فدا اجر السيد" , والسيد هو حسن نصرالله الامين العام لحزب الله الشيعي بامتياز و الذي لا تنفك شعبيته و محبته كشخص تتعاظم في نفوس الناس في لبنان والعالم كأيقونة رفض و حرية
بهذه المعاني, ومن هذه الزوايا: ينبغي بيسارية "ضد" مثلي ان تقف على نقطة النقيض التام مع المقاومة الاسلامية
ولكن: انا مع هذه المقاومة! ا
فاللحظة تفرض اليوم على الجميع ان يحسموا خياراتهم وان يقرروا اي الخندقين سيكون متراسهم المتقدم في المواجهة التي تقرع ساعتها بحدة متعاظمة هذه الايام
وقد قال حسن نصر الله العام الماضي في ذكرى اغتيال عباس الموسوي"الامين العام السابق لحزب الله" في احتفالية اقامها الحزب للمناسبة في قصر الاونيسكو ما قبل عدوان تموز انه بين قطب الولايات المتحدة ومن معها وبين قطب يتشكل لمقاومة القطب الاول من فنزويلا مع اخينا تشافيز مروراً بإيران وسوريا فلبنان ووصولاً حتى غزة, لا اعتقد ان على حزب الله ان يُسأل عن اختياره
وهكذا هي الامور بالنسبة لي و لكثر اعرفهم الآن: سيأتي وقت الخلاف الايدولوجي و وقت نقاش العقائد وتفنيد ملائمتها للناس و الدور التاريخي والراهن لمنطقتنا بشعوبها و ارثها الحضاري . وأثق بأن يساريتي المعتمدة بالكامل على العقل و حججه و شكوكه الهادفة الى بسط اليقين في كل الحقائق على ارض الواقع و الممارسة, تمكنني من حوار منفتح ومتنور مع حزب الله كفكرة دينية وكممارسة يومية و فصيل رائد في المقاومة ضد الاحتلال
أما في هذه اللحظة, فحزب الله بمقاومته الرابضة على التصميم على اذلال الصهاينة و كسر حربة مشروع القطب الواحد هو ابلغ و اسطع تجليات "الضد" الذي يجعل لليسار اي معنى, وكل معنى عندي
الآن كما في كل دوماً, انا الى صف من يقاوم بعلو الروح و كامل الدم الحر من يريد ان يخنق الانسان و يقتله في بلادي: قيمة و تاريخاً و غداً
وبين قطب يريد ذلك بكل شهوة الدم المتعطش للخراب, وبين قطب يقاوم هذا التوحش بهادر الكرامة, لا يسعني فعلياً واخلاقياً و عملانياً الا ان اشهر موقفي النقدي و الانساني و اعلن: انا مع حزب الله, فهم رفاقي الصفر

جرائم الشوكولاته اللذيذة

بيني وبين الشوكولاته عشق عتيق
عشق فيه من الاصالة والوفاء ما جعله يصمد أمام وجع الشقيقة المزمن و الملازم لأيامي منذ طفولتي
وجعلها اهم الاختراعات التي تتمكن دوماً من شق دروب الهدوء الى روحي الثائرة رفضاً, قهراً, دمعاً , حزناً, رقصاً, فرحاً و ضحكات
أغلب من يعرفني, يعرف عشقي الجميل هذا
ما زالت الشوكولاته تسحرني كالموعد الأول
لها غوايات معرفة الشاب الذي وضع لنا اول وردة حمراء على شنطة المدرسة غفلة
لها فرح القلب بصباح مشرق بالوضوح بعد ليالٍ طالت في كهوف الضباب
لها طعمة الملح حين نبحر على متن موجة وحلم في رحاب الازرق و المدى
لها الروح تضيق بالدنيا حتى تحسها أضيق من شكة دبوس, ثم بكسرة بني تذوب برقة في الفم تتسع لتلون رحابة السماء ببريق النجوم
على إسمها و بإسمها تطهرت بأجمل و اشهى جرائمي اللذيذة: اكل ألواح و ألواح منها في منتصف الليالي
تجريب طعمات _وتخريب قياسات_ فقط لمتعة عدم تفويت فرصة ان اتمتع بمذاقات جديدة للحياة
اعادة إكتشاف انها حلٌ اكيد المفعول بعد كل النصائح و التنظيرات في الحب و الهجر و القسوة والاسى مع الصديقات بعد جلسات الحكي التي تطول اياماً بالبيجامات و أكوام المناديل تعلو مليئة بالاسرار الممزقة والدموع التي تغسل القلب قليلاً مما يوجع حقاً
التعرف الى ناس جميلين بالنسبة لي, لا لأي سبب جوهري أخر سوى انهم مثلي: عشاق شوكولاته
في كل بلد, وكل سفر وفي كل مطار و من كل حانوت ودكان: تبقى اشهى الاكتشافات فهي دائماً بديعة وجديدة, اثمن الهدايا لأنها إختيار يمارسه لمن احب بكل قلبي, واكثر المفاجآت المتوقعة سحراً لي ولكل من اعرفهم يشاركوني عشقها
كلما احتجتها, اقاربها برهبة القبلة الاولى
لمذاقها البهي احتفالات في لساني
وهي التوأم السيامي للحرية عندي
وحدهما اريد مشاركة الكون في عشقهما
والتوأم هذا له جماليته التي تطرب روحي
تجعل جسمي يرتجف بلهفة عارمة لنيل احد شقيه
بطبيعة الحال, وإلحاح طبيعتي الانسانية البحتة: الشوكولاته اسهل منالاً وأيسر وصولاً من الحرية ككل
و:برغم السنين, وبرغم طول المعرفة و برغم عمق العشرة, تبقى الشوكولاته بالنسبة لي معياراً اساسياً للحب و المتعة والحياة والفرح
تماماً كما الحرية
حبيبي: اذ تأتي, سأعرف انك الاغلى ابداً لسببين, لأنك كما انت حرٌ رائع, ولأني كلما إشتهيتك,سأصبر على المزيد من إكتشافك بأن أتخيلك بطعمة الشوكولاته

عيناك زيتون, وقلبك برائحة زعتر


صدفة بحت جمعتني به
طائرة اخيرةعلى اهبة سفري في الغد قبل حرب و بعد انشغال اخر بسلم زائف
وحكي يريد ان يُقال فوق صحون مائدة عشاء رتبتها الشهامة الفلسطينية التي لا نقاش معها ولا جدال
بين صديق افتراضي و كاتب حقيقي و طالب برسم المعرفة, وانا: جاء حزن عينيه الى تلك الطاولة التي سررت ايما سرور لمعرفتي بامكانية تواجد مثلها في احياء عمان القديمة
صامت كالصبار العنيد المتعشق ارض بلادنا الغائبة انتظاراً وراء غيمة دمع لا تمطر
صوته_إذا أطل_ من بوح عتيق طال انتظاره, ولا يسرد في المواويل
من مكان لمكان في شوارع المدينة الليلية المزاج في صيف2006 اللاهب, ومن حديث صاخب الى صخب مكثف مني ومن صديقنا المشترك بعد ان انفض بعض الجمع و انضم جمع أخر إلينا, بدا العالم مسرحاً ممسوكاً بخيوط غامضة تتشابك و تترابط فيما بينها الى حد التوازي او التطابق احيانا
ًبالحكي: قليله منه, و غزيره منا, عرفنا ان بيننا اصدقاء وحكايات نحكيها عننا معهم (عرفت قصة طنجرة البامية لاحقاً عزيزي: تضحكني و تبكيني للآن) وبيننا البلاد الساكنة بنا والسكونة باطيافنا اياها, والقضايا المشتعلة اياها و دخان رمادي من الاشتياقات و الخيبات و الاحزان التي لا تنتهي
ومع ذلك, ظل رابضاً على الهدوء الذي يخفي عاصفة و زلازل وراء حرف, لو قيل
لم يقله يومها, واعتقده لم يقله تماماً الى اليوم: حرفه المدوي تماماً كما روحه بكل ما يعج فيها
بعد ذلك اللقاء الذي يصر اني لم اتبين كم هو مزعج فيه_ واصر انا اني لم اسمعه يحكي حتى اتبين مدى ازعاجه لي _ظل بيننا خيط غير مريء ولا ينقطع تماماً و لا يواصل نسجه دوماً من التواصل
تواصل سريع وعميق لدرجة ان يهزني ان اكتب عنه هذه الحروف التي اريده يقرها ليعرف اني حقاً لا اود ازعاجه حين احكيه بشراهة,فقط اكون مشتاقة لدفء طابون يخبز الاحلام في حروفه, ولارادة تفتح للامل الحزين طاقة شهية على تنفيذ هذه الاحلام الهائلة الوقع في قلوبنا
تواصل كضباب شفاف و رقيق: يداري قليلاً باذخ حزنه و لا يغطيه تماماً
تواصل بخيل, ويجعلني احزن اذ لا استطيع ان ارفع عن روحه وقلبه الوجع الذي يميد بهما في برد الاغترابات اللا اختيارية
علاء: يا هذا الذي وطنك حقيبة وانت المسافر, كلنا نسافر بعد وهذا الوطن لا تسعه حقائبنا , ومع ذلك نظل نحاول نلمله عن ارض المطارات الغريبة والشهقات الفارعة حين تباغتنا الذكرى والذاكرة, ودوماً ستطن اجهزة انذارات الامن بأننا نهرب في عيوننا زيتوناً ممنوعاً وان من يدينا يفوح عبق زعتر غير شرعي
عيوننا الحقائب و ايدينا جوازات سفرنا السمراء , واشهى التهم :فلسطين

اجازة


هي كذلك فعلاً
أغيب فيها عن العالم اليومي المكرورة تفاصيله الذي اعايشه منذ فترة طويلة دون ان يتسنى لي وقت مستقطع لنفسي ارتب فيه الفوضات التي تعج بها حياتي, واعيد تحديد اولويات ايامي و ما اريده فعلاً من هذه الحياة

هي اجازة فرضتها الاعياد المتزامنة في هذه الايام الاخيرة من العام الذي لا اعرف من عرف له مثيلاً في بشاعته و صعوبة وقسوة اختباراته لكل ما هو انساني فعلاً فينا. و اجازة قرر الوضع السياسي و الاقليمي ان امضيها في لبنان, بعد اعوام من الاجازات التي قضيتها سندبادة بين البلدان

اجازة احتجتها حقاً , ومنذ وقت طويل دون ان أعي حجم احتياجي بسبب تلاحق الاحداث و الانشغال الدائم بما يهم ولا يهم حقاً.اجازة يعزز مفهوم الكسل و الراحة فيها انقطاع الانترنت في بيتي _وهو امر لم اعر اصلاحه اهمية حقيقية_ فوجدتني بنتيجة كل هذه المقدمات لاجازتي السعيدة انطلق بهمة عالية لوضع جدول لكل يوم فيها بحسب مزاجي وماعليّ فعله بحيث انجز مع نهايتها سلسلة تفاصيل كانت مؤجلة على الدوام

أنام يومياً ما يفوق العشر ساعات: هذا ترف افتقده منذ سنوات! حتى حين امرض لا انام كل هذا الوقت. و النتيجة: بال رائق وجسد مرتاح و وجه يفيض صحة ويضيء بالراحة

أقرأ كتاباً و اكثر قليلاً يومياً: هذا اشد ما كنت اتوق اليه و احتاجه فعلياً من فترة طويلة, حيث صارت قراءاتي متقطعة و متباعدة وبغير تركيز عالٍ. الان حين اقرأ, بيدي قلمي, و عقلي يقظ تماماً لتسجيل الملاحظات و وضع الاسطر و علامات الوقف بين الكلمات و وفق الفقرات.

فمنذ يوم السبت الفائت انجزت : العدد الاخير من مجلة الاداب بملفه الغني عن الطائفية في العالم العربي كاملاً, روايات "انها نائمة" للبناني الياس خوري, "حب في السعودية" للسعودي ابراهيم بادي, "جاهلية" للسعودية كذلك ليلى الجهني, "دع عنك لومي" للسوري خليل صويلح, "اماكن حارة" للعراقي جنان جاسم حلاوي,"رأيت رام الله" للفلسطيني مريد البرغوثي, واقرأ الان "اخطية" لأميل حبيبي الفلسطيني, و اتيت على مجلد غسان كنفاني الذي يضم دراساته في الادب الفلسطيني المقاوم
وما تزال امامي10 ايام طويلة لانهي لائحة القراءات التي قررتها منذ رتبت مكتبتي في اول ايام الاجازة و أخرجت من بين ارتال الكتب و الاوراق المتراصة فيها مجموعة يجب ان اقرأها ( عيب انو عندي اغلب كتب ماركيز و بعدني مش قاريتلو الا "ذاكرة غانياتي الحزينات مثلاً) او الاعمال الكاملة لشعراء مهمين كفوأد حداد و امل دنقل و لم آتي عليها بعد! فإذن, الاجازة مستمرة بمزيد من القراءات , ولا اسعد عندي من اجازات كهذه اشتغل فيها بالقراءة

ايضاً: اشاهد يومياً الحلقات الوثائقية التي اعدتها قناة الجزيرة عن حرب لبنان, قريباً انهي السلسة بمزيد من الوعي حول ما جرى في هذا البلد الموصوم بالانقلابات و الحروب و الطموحات المدمية, وبأكبر من المسؤولية تجاه حاضره و غده. فبرغم كل تساؤلات الهوية التي اجابهها , ككل من يريد حقاً ان يعرف ما هية وجوده على هذي الارض, فلبنان يبقى البلد الذي رباني و كبر في نزعات و نزاعات تجعلني امضي في الحياة اكثر اصراراً و عزماً ان استحق ان اعيش ما في هذه الحياة من احداث و انجازات و مصائب اتعلم منها اكثر.

وهناك مجموعة من الافلام التي لم اجد وقتاً و مزاجاً لمشاهدتها دوماً من قبل ( اغلبها لنيكول كيدمان , احد ممثلاتي المفضلات التي تحب المقابر مثلي) و الكمية المهولة من اشرطة الكاسيت التي تتضخم في جواريري دون اي نوع من الترتيب او الفهرسة , والتي اعيد الاستماع الى بعضها يومياً فأستعيد صوت و رائحة ذكريات عزيزة عن وجوه و احداث و ايام مضت الى رتبة الامس.

الاهم, هذه الاجازة امنحها من كل قلبي لعائلتي (ماما و اخوتي) , علاقتي بهم منذ فترة تتأرجح الى غير ما اردته دوماً. و يستحقون و استحق ان تكون علاقتنا متينة و مميزة كما عشناها دوماً.
قليل من الوقت للاصدقاء, فبحسب ماما هم يملكون وقتي طول العام, و اقل منه للانشغال بالعمل التطوعي الذي امارسه حياة يومية في حياتي خارج زمن هذه الاجازة القصير نسبياً مقارنة بكل الوقت الذي اتذكرني "ناشطة" فيه
والوقت الاقل من القليل اعطيه للعالم الافتراضي (قضيت اربعة ايام دون ان اتفحص بريدي الالكتروني) و لكن ما يعيدني الان للقراءة عبر النت قلم رفيقي الذي شد ما افخر به زرياب مثلا و هو يسرد ويؤرخ لتجربة العودة الى الوطن

هي اجازة: مليئة و مفعمة بما اجلته دوماً, الاكثر تكثيفاً و تركيزاً فيها "ملاك" , الصبية التي من حقها على نفسها ان ترتاح قليلاً و ان تعطي قلبها وروحها فرصة جديدة للانغماس في مشاعر اشتقتها بكلي ,ولم اكن ادري كم اشتقتها الا حين استعدت الاحساس بها عالياً و عميقاً وجميلاً حد الشهقة اندهاشاً امامها كلما باغتتني حيث و حين لا اتوقع


هي اجازة : اذهب فيها اكثر نحو ما الوطن و البلاد و إلتزامي الحقيقي بأن "اشتغل على حالي" لأكون شخصاً يستحق الانتماء الى كل ما امنت به يومياً طوال حياتي , و آمل اني سأظل وفية و مثابرة على نهج كل من مثلوا لي ايقونات اضاءت الدورب المعتمة لنصل اليوم الى منعطفاتنا التي سيصنع خطونا عليها باقي الطريق

يعلو الادب , يعلو الادب

ما بزعل لو علوية أخدت الجايزة, بس بكون عنجد مبسوطة لو بتاخدها سحر خليفة, كتير مش ماخدة"
"حقها هالروائية

هكذا قلت للسيدة رنا ادريس, مديرة دار الآداب, يوم الاربعاء الماضي بعد ان تناولت بعض الصحف و الاوساط الثقافية خبر ترشيح الكاتبة اللبنانية علوية صبح _عن روايتها "مريم الحكايا"_ لنيل جائزة الجامعة الامريكية في القاهرة المرصودة بإسم الاديب نجيب محفوظ.

وانحيازي لسحر خليفة قديم, منذ وافتني_او وافيتها_ على عهد الانحياز لجانب العدل ضد الظلم و الجمال ضد القباحة والانسان ضد "البشرية". فسحر تتطور جذرياً من رواية لأخرى: سرداً و حبكة و وصفاً و احداثاً ولغةً و عمقاً ونضجاً

الرواية التي حازت خليفة الجائزة عنها هي احد اروع ما قرأت من روايات بالمطلق "صورة و ايقونة و عهد قديم". وليس إعلاني هذا بجديد, فهذه الروائية حببتني بالقدس التي اريد ان احب دوماً كي استطيع ان اناضل لأجل حريتها دوماً, بنفس العزم و الاصرار لإنتزاع حرية فلسطين من ملح بحر حيفا الى عرق الرمال الجاف في النقب الى زيت الزيتون الذي ينعصر دموعاً ووفاءً في العيون و القلوب

وهي الرواية الاولى التي قرأتها لها, ثم_كعادتي حين احب قلماً ما_ حرصت على قراءة كل ما صدر لها من روايات. وقد كنت محظوظة بعملي في دار الآداب, حيث اتاح لي ذلك ان ألتهم كل ما كانت قد كتبته بالتسلسل الزمني, بدءاً من "لم نعد جواري لكم" حتى القدس ايقونة في روايتها الفائزة بالجائزة


ولقد أُغرمت بهذه المرأة المناضلة بقلمها حقاً, قلمها مختبر تظهير افكارها التي تعيشها حقاً في الحياة, قلمها الذي يجعل من كل رواية عالم قائم بذاته, عالم يتطور و يتجدد في كل رواية_رغم ان تفاصيله و تطوره مختلف من رواية لأخرى بشكل جذري_ ولكن يمكن بسهولة تحديد القضيتين الاساسيتين المتلازمتين كتوأم سيامي في مجمل كتابات خليفة و الذي عبرت عنه بلسان احد شخصيات روايتها الاخيرة "ربيع حار" حيث نقرأ: كيف تتحرر فلسطين و انا المرأة أقبع في الذل؟
حين صدرت رواية "ربيع حار" صارت سحر خليفة عندي أهم قلم نسائي بالمطلق,بدليل اني اعتبر روايتها هذه اهم ما قرأت و من مفضلات الكتب عندي, كل مرة أعاود إلتهامها لأحاول الارتواء منها و أعطشها أكثر بعد كل قراءة. وربيعها الحار تحديداً هي أحد اكثر الكتب التي بعتها في معارض بيروت الدولية للكتاب التي حرصت على ان لا اغيب عنها قبل ان اتخرج و تشغلني عن الثقافة_ بمعنى ان اكون شاهدةً , مشاركةً بطريقة ما في نشرها_ مشاغل اخرى, وليست بالضرورة أهم و لا اقرب لروحي

وكذلك, "ربيع حار" هي الكتاب الاول في لائحة خياراتي لتكون هدية لكل من اعتبره يستحق متعة قراءة هذه القطعة الادبية الخالصة, و اندهاش التفكير بالاسئلة المهمة التي تجبر قارئها على التفكير بها. سوف لن احكي عن هذه الرواية كثيراً بعد, لم أحكِ عنها كثيراً يوماً , إذ اعتبرها ارفع واغنى و اوجع و ابهى من ان يصفها اي كلام سوى كلامها هي الذي يجري على ألسنة ابطالها الحقيقيين جداً, الذين نعرفهم في فلسطين و لبنان و الاردن و كل مكان في العالم بشخصياتهم التي تتمازج فيها خصال العفة و الاستغلال, التوق و الانكماش, وسواها من خصال الانسان, لا البشري الذي يأكل و يشرب و يتناسل و ينام
طبعاً الاوساط الادبية تعج بالنقاش حول الموقف من هذه الجائزة التي يُخشى ان للسياسة دور في تحديد من ينالها , بموازة دور الادب نفسه. ولكنها حتى الآن مُنحت لمستحقيها _فيما عدا الصديقة و الحبيبة أحلام مستغانمي برأيي_ بمعزل عن المشهد الساسي اللحظوي .ولكن هذا النقاش اراه ضرورياً ومهماً و غنياً_ مُغنِياً حيال اي وكل ما يأتي من جامعة امريكية في كل مكان في العالم. فلا مانع ان تكون هذه الجامعات التي تدعي حرية و ديموقراطية التعليم بؤرة لاشد مظاهر التخلف و الرجعية كما حدث مع الدكتورة سامية محرز_ وهي للمفارقة أحد أعضاء لجنة التحكيم التي قررت منح سحر خليفة الجائزة لهذا العام_ في القاهرة حين درست رواية "الخبز الحافي" لمحمد شكري و أثارت ضدها موجة انتقادات و أراء مساندة_ حتى ان أدوارد سعيد ذكر الحدث في خطابه لخريجي الجامعي الامريكية ذلك العام 2002_ وما يفوقهم عددا ًو شراسة واستبسال في الدفاع عن التخلف و الظلام من المعارضين لتدريس الرواية ضمن مادة الادب
بعيداً عن كل ذلك النقاش_ وهو مهم جداً مجدداً_ وفي قلب الفرحة بأن تنال هذه الروائية المتميزة جائزتها الأولى عربياً ومن قلب القاهرة, اتصلت فور قراءتي الخبر في جرائد اليوم بالسيدة رنا إدريس. كان صوتي يضحك فرحاً و قلبي سعيد حقاً بهذه البارقة الخضراء الصغيرة من أمل وثقة بقدرة الثقافة على التأثير و الفعل وسط كل اليباب الذي يغلف احتمالات ايامنا. وتحدثنا بفرح عن احقية خليفة بالجائزة اكثر من اي قلم أخر , وطبعاً باركت لها و للدار, إذ ان روايات خليفة كلها تقريباً اصدار دار الاداب ( ما عدا ربيع حار_على حد علمي_ التي صدرت مناصفة مع دار عربية توزع في فلسطين , إذ صممت الروائية على ان روايتها تتوجه لفلسطين و لا يوجد ما يقنعها بأن لا يقرأها اهل فلسطين لسبب لوجستي كإستحالة ان تقوم ( دار لبنانية بتوزرع كتبها في الارض المحتلة
فبرغم كل الالتباسات المحيطة بالجائزة وتوقيت منحها ودلالة الاختيار لرواية تقدس القدس مدينة تعج بالتفاصيل و المنع و الحب و رائحة النبوة المستحيلة في زمن الردة: أنتِ أهمية الجائزة هذا العام سحر خليفة. انتِ التي لا تتحرقين الى شاشة تستضيفك و لا تبتذلين لمجلة تكتب عنكِ ولا لوسيلة اعلام تصنع شهرة لكِ او لما تكتبين.
سحر خليفة الفلسطينية جداً :سيدة الجائزة المطلقة, وسيدة اللحظات التي تحتفي الثقافة _لا فقط الجائزة_ بقلبها و قلمها المؤمنين و الهادسين دوماً بأن الادب ليس حلية نعلّقها فى صدر البيت، وشكلة على الرأس... إحساس أعمق، مجبول بالتراب، بالشوارع، بهموم الناس، برصاص المحتل والمدافع، بالضحايا ودم الثوار. وأيضاً بالحب والتمنّي وحنين القلب، وجمال الروح والتصدر للكآبة بأجنحة الحلم. والأدب بالنسبة لها ليس نزهة، بل جهد وأجنحة ومرايا وعتاب دائم للذات وسماء ماطرة وقذائف ومآذن في أرض ما عرفت إلا الدم
سحر خليفة, ودونما الحاجة لجوائز و لا تقديرات الا من ارواح وقلوب قرائك: يعلو بكِ الادب, يعلو بكِ