وحيفا تظل تتقدم

والان: اضع البحر ورائي, ووراء البحر حيفا, ومع ذلك تظل أمامي

بيني و بينهما حكايات: الطفولة التي تتعلم ان تكبر لأجل ما وراء البحر, وتكبر و يكبر في صدرها البحر, وحيفاها تظل على حالها: فجة كذاكرة جدتها, قريبة كدمعة الحنين,وفواحة بالخير كالقبلات السمراء على خديها_الرمان

يا تيتا: هذا وداع برسم لقاء قريب على الضفة الاخرى, ضفة القلب الأولى و ضفة الروح التي تعاند القدر المنساق وراء هبله المديد

طفلتك الصغيرة, مدللة قلبك و حبيبة روحك الان كبرت قليلاً, قليلاً فقط عما كانته حتى ذلك الرحيل الذي لا يزال صعباً عليها, ما كبر فيها كثيراً هو "حيفا" يا تيتا "حِيفا" بالحاء مكسورةً كما تلفظينها انتِ, لا مفتوحةً كما تُحكى في هذي البلاد

حِيفا يا تيتا: لي من بحرها رمل ناعم كمنديل حدادك الذي ما كسر هيبته الوقت, فاتح كشيبة وقارك الذي ما هزته المصائب, حِيفا تتقدمني, تسبقني و تعلوني يا تيتا, واينما توجهت ويممت شطر وجهي وقلبي, تظل هي كل جهاتي

رملها يترك لي من بين ذراته كل الاحتمالات لصنع صورة بحرها و ملح موجها في قلبي كما اريد,كما اشتهي ان يكون من حكياتك و الصور البخيلة التي تمن بها علي التكنولوجيا و بضعة اصدقاء يرون في حيفا بقية ملامح وجهي

والحجران اياهما: ياه ياه يا تيتا, ارى صور "بيِتنا" ولا أراه, في البال ارسم تفاصيل المطبخ الذي جلبوا لنا بلاطة من ارضه, وصينية البلح التي تشتاقها عمتو. اؤثث الغرف بأناقة و نظافة اشبهك فيها, افرش شراشفاً بيضاء هفهافة فوق الطاولات و انشر على الحبال فساتيناً تفتتح الاحلام بثنياتها يعبأها الهواء بحركات مُتخيلة لأجساد قد لن تكون لتلبسها على الوعد

واقول لي: سنأتي بكم جميعاً, ولو ذر ما يتبقى من اللحم و الدم والعظم حين يعود الانسان الى التراب,و سأربي فوق قبرك في حيفا شجرة"فتنة",وهذه ايضاً احبها مثلك يا تيتا

وستكون منازلكم الاخيرة فتنة للنظر, كما للروح, ستكون مشهداً مكملاً لجمال حيفا, وسأذهب اليكم كل صباح بفاكهة الموسم واخر الاخبار و الكتاب الذي يغفو على مخدتي و يصحو معي لنفتح للعالم شباك حيفا فتطل عليه الشمس, ونبتسم ايذاناً ليوم جديد:صباح الخير يا وطني

::


الاسبوع الماضي حلمت بكِ مرتين, وكنتِ تفرطين لي رماناً احمراً كالدم, واخبرته عن المرتين, سألني اذا ما كان نفس الحلم, وقلت له انهما حلمين لنومي ليلتين مختلفتين

في الليلة الاولى, حلمت بالطفلة التي كنتها ذلك الصيف الاخير: اجلس قربك على الارض, تضعين الرمان في السلة الصفراء التي اتربع حولها, و"انقود" ما ترميه لي يديكِ من خير وانهب كلمات حكاياتك نهباً, وانتِ تحكين لي شيئاً لا اذكره ولكننا نضحك, والضحكة اذكرها الآن طازجة و رقراقة كعينيكِ حين تغرورقان بدمع تدارينه


في الحلم الثاني, كنت كما انا الان, بشعري الطويل, وسمرتي الصيفية وبفستان ابيض وعليه ورود صغيرة كما كنتِ تحبين, وكنتِ انتِ كما في اخر صورك في قلبي: بمنديلك الابيض المرخي بقلة اهتمام بترتيبه , وبكامل بهاء العمر الذي عبر في التجارب و المحكات ليكللك بكل تلك الحكمة

كنت اتدلل عليكِِ يا تيتا, كنا على شرفتنا المطلة على حيفا, ولكنها ما كانت بعيدة, كانت اقرب من موج البحر الينا, وكنتِ تطعميني الرمان بيديكِ انتِ: العروق الخضراء نافرة قرب اصابعك, وتجعيدات وجهك تغريني بقبلات كثيرة كنت ازرعها في طيات جلدك الاسمر الجليل بكامل الفرح الذي في قلبي

لو كنتِ لا زلتِ هنا: هل كنتِ لتفخري بي؟
الصبية التي صرتها وتشبهك وتشبه بابا بعض الشيء, لي قوة الروح و روح القوة التي لكما, يقولون في صور اني مثله و يفاجئني عبارة"الله يرحم والدك" حين لا اتوقعها, اظن ان الناس نسوا, فقد ذهب اليكِ وحدكِ و تركنا في كل هذا الاشتياق وحدنا بدونه

لهذا الحد كان يحبك يا تيتا, وانا احبك, احب حيفا التي عرفتها معك و فيكِ, و أعّد خطى العودة اليها معكما
وسنعود, سنعودها حبيبتك وحبيبتي "حِيفا", يا حبيبة قلبي يا تيتا
::

واعرف, اعرف سلفاً اني لن اشتاق شيئاً بقدر ما سأشتاق الى هذا المنظر المحفور في القلب :جلسة حب على حافة الحوض المتروك قبراً للراحل القادم اليكم, اخبركما انتِ و بابا _ودون اي كلمة_كل ما في قلبي وعقلي و روحي و في ثنايا الغضب و في زاوية الضحكات , ورائنا آثار صور و التاريخ يميد بالمدينة عالية حد السماء, ومن أمامنا البحر و البحر ورائه حِيفا, حيفانا يا تيتا

وبرغم الغياب عن النظر, و كل الاشتياق العالي الذي من الآن ابتدأ, تظل حيفا تتقدمني, وتتقدم الينا و بي نحوكم , وتطلع من ختمة الحكاية جديدة كأنما ما مر عليها لا الحكي ولا اي نظر, شهية كرمانة تنفرط في يدك السمراء الخيرة يا تيتا,و مديدة واسعة رحبة اكثر من بحر



مع المقاومة, عالعمياني

منذ فترة و نحن _قاطنو لبنان_كذلك مقطوعون من الكهرباء, وهذ ا امر اعتيادي بالنسبة لنا.وهو امر كان مادة تندر من قبل اهل غزة علينا, حيث اذكر ضحك نورس على حالنا المايلة : معقول نحنا ومتطورين اكثر منكم؟
الان دور غزة التي فوجئت العام الماضي ليلة خُطف جلعاد شاليط بعدم تعود اهلها على انقطاع الكهرباء اثر ضرب محطة الكهرباء القريبة من مخيم النصيرات
فعلاً الامر ساخر بشكل هستيري بالنسبة لي, نحن تنقطع كهرباؤنا دورياً و يومياً بسبب سوء التخطيط واستغلال موارد المياه الغزيرة في لبنان_الامر الذي مررنا عليه بمرارة انا ورنا ومحمد في جولة وداعية لهذا اللبنان الجميل حين اشرفنا على بحيرة القرعون المديدة الخير في سهل البقاع_ واُضيف اخر الاسباب واكثرها اقناعاً لنا هذا الصيف بأننا نُعاقب على تأييدنا للمقاومة حيث غابت الكهرباء عن مناطق الجنوب و الضاحية و البقاع بمعدل 22 ساعة يومياً,واليوم تعود بوتيرة اكبر قليلاً بسبب احتجاجات الناس و بعض الاضطرابات التي إحتويت قبل تفاقمها لأن وضع البلد لا يحتمل اي نوع من القلاقل اضافة الى الحماوة السياسية المستعرة منذ اوقدت تلك النار العجائبية التي تظل تحترق بعد انقضاء سنتين و نصف على اضرامها في 14 شباط 2005
ومنذ وعيت على هذا العالم العجيب اعرف ان كهرباؤنا نادرة كالخبز في ليل الفقراء, وشحيحة ككرامة الشنبات العربية , ومع ذلك لم ارى يوماً طفلاً في شوارعنا يتمنى "السكرة و لا الفكرة"
والان افكر:ألأن وراء اولئك اللاطفال اهل يربونهم ان للكرامة ثمن ولا بد يُدفع؟ وان الاوضاع المعيشية مهما ضاقت , لا بد تتغير في النهاية؟ لقد عشنا حصارات مريرة و تسلخت جلودنا في قيظ الصيفيات الحارة التي ألهبت فيها اسرائيل سماواتنا و ارضنا و بحرنا فيها بالموت, ومع ذلك: ما هانت كرامتنا وما هُننّا
واغص بسخريتي اذ ارى غزة الان تدفع حصتها من اتاوة المقاومة, وألسنة اهلها من طفل لشيخ تلهج بالرفض لظلم العالم الواقع عليهم بقطع الكهرباء عنهم
طيب ما الذي يطلبه اهل غزة من الصهاينة و حكومتهم العميلة المتمرسة وراء اقنعة التسول على اسم شعبنا بقيادة الاقتصادي الجهبوذ فياض و طفل السياسة المعجزة ابو مازن؟
رفع الحصار الاقتصادي؟
صرف الرواتب؟
فتح المعابر؟
اعادة الكهرباء؟
تحقيق وعد القائد التاريخي _تصفيق حاد لو سمحتم_ابو عمار طيز الافتراضي بتحويل غزة الى سنغافورة العرب؟
يا احبة: سيسمحون لنا "اسرائيل و عملائها من ابو مازن وفؤاد السنيورة وسلام فياض ومن شابههم , وهم كثر"بأن نعيش على حد تمني الموت او اقرب الحلول شبهاً به عبر الاستسلام بالانقلاب على المقاومة عبر صرخة لقمة العيش والتذمر المزمن من الاوضاع المعيشية التي لا تُطاق
هذه خطتهم القديمة المتجددة الان, ولكن:ما الذي عندنا نحن؟
مقرف ان ننقطع من الكهرباء, ومقرف ان نعاني بسببها من انقطاع المياه في مدينة كصور, ونحن خارج قيد الحرب و الاحتلال اليوم, ولكن هذا حالنا, كما اغلب مناطق الجنوب, لأننا مع المقاومة, ومع ذلك: لا مساومة على خيارنا
انا لا انظّر, وارمي نفسي سلفاً بألف حذاء لو في نيتي اي شبهة من التنظير على اهل غزة, الاحبة التي تتقد قلوبهم بالغضب و الثورة التي حتماً قادمة
ولكن سوألاً ملحاً ينخرني منذ سمحت لي الكهرباء بقراءة ما كتبته رامي و الافتراضي: ماذا نتوقع من عدو كالصهاينة؟
بالمناسبة حضرة الملا: دعوتك لي_مع اني مش فاهمة ع شو دعيتني بالزبط_ جاءت لامارس التدوين على طريقة الشيخ احمر: المدونة لبصق القرف و الغضب المتراكم
اقول ما اقول فقط لأننا مررنا بهذا الجحيم, نحن الذين على الجهة الاخرى من الحدود المصطنعة و التي قلوبنا تكسرها بنبضها الحراق المتواصل يومياً,وها نحن بعد احياء, وصوت عزتنا ينخر هناءة الوهم الذين يريدون ان ينقعوا حالنا و مآلنا فيه
هنا من يرمي الاتحاد الاوروبي بالمسؤولية عن الوضع ,وهناك من يحملها لحماس , وانا شخصياً ارميها بوجه كل الذين يريدون حرية و حياة كريمة و ليسوا مستعدين لدفع الثمن الغالي حتى النهاية: كهرباء او ماء او اسر او تنكيل او قتل, او او او ما تتفنن به العبقرية الصهيونية من وسائل تضييق على الحياة حتى الضيق بها
معليش يا اهل غزة, يعني معليش و اسمحولي : فيقوا عاد, يعني بدكم تأيدوا حماس و ما تعجبكم فتح وازلامها بنهجهها الانبطاحي" طلعت ع وزن طل سلاحي من جراحي هيدي, كانت اغنية مشهورة هون ايام كانت فتح قائدة الكفاح المسلح بزمانها" وبدكم الحرية , وفوقها كهربا وتسهيلات حياة يومية كمان؟
ايه يعني و بالمصري قوي: آحااااااااااااااااااااا
::
لم نمت لأننا لم نمت, بالصدفة الحسنة او لسوء حظنا لم نمت, وهذا واقع الحال.ولكن اي حياة غير الموت لن تكون سهلة بكل المقاييس لأن هذا العدو و من في ركبه "رح يلعنوا ديننا" حرفياً, وهذا ما اؤمن انه يجب ان يكون في البال
اقول هذا لأني اريد ان اطلق الصوت الذي ينازع حنجرتي ليخرج و يصرخ ضد كل هذا القرف , ويمتد: علينا ان نعيش موتنا حتى اللحظة الاخيرة
وحماس و حزب الله* سيظلان نجمتان تضيئان ليل العهر الصامت و الطويل الذي يريد ان يكتنفنا ويكتفنا
وحتى نُطلع الشمس بايدينا العارية من قلب العتم:نرفع نخب الانتظار و الكرامة بصحتكم كذلك يا اطفال غزة, فأجيالنا تسكر يومياً بذكرى الدم المرشوق على كل وجودنا
عسى ما تتمنوه يسكركم لا يكون بطعم المرار الذي تجرعناه خمر الروح بدءاً من اول قانا
::
مع ألف ألف نقد على كلاهما, ولكنهما خيارا المقاومة الان, ولن اكون ضده البندقية التي توجه لاسرائيل مهما اختلفت معها ايديولوجياً

بدي بيتي

وفي تلك الليالي القاتمة, كنت كل ليلة انام_اذا نمت يعني_ وأقوم و انا افكر اذا ما كنت سأجد بيتنا بعد قائماً حين نعود
لم أكن واثقة من وجود بيتنا حين نعود, ولكن كنت مفعمة بكامل الثقة اننا سنعود

كل يوم, كنت امضي من الفجر(للنجر بحسب امي التي كادت تموت رعباً علي في تلك الايام خاصة بعدما علمت اني ذهبت الى الضاحية الجنوبية في عز جنون الحرب في 4 آب 2006) الى اجتماعات التحضير لحملة الدعم و الاغاثة التي كان تاريخ 12 آب مرصوداً لها لتنطلق الى الجنوب,وفعاليات العمل على تأمين افضل شروط الحياة للنازحين بانتظار فجر و فرج النصر الموعود

كنت اعود ليلاً, الطيران "شغال" بوقع 24 على 24, والضاحية على بعد بضعة شوارع تُسوى مبانيها بالارض بإصرار يومي عجيب, وأمي قلقة, وكل يوم علي! ان اسمع كلاماً من اخويّ عن عبثية ما أفعل : شو يعني اللي عم تعمليه هيدا وتقلقينا عليكي هو اللي رح يوقف الحرب؟

هذه الجملة كانت توجعني حقاً, وكان التعب يمنعني من محاولات البحث في تلافيف دماغي عن رد عليها حتى

استحم _لو في مي_و اترك جسدي ينهد على سرير من القلق و الكوابيس المقبلة فيما لو أغمضت عيناي حقاً

::

غداً الحملة: يوصلني سامي الى البيت في الرابعة فجراً, وسيكون علينا ان نلتقي مجدداً في السادسة و النصف في محطة البنزين التي أمنت كمية معقولة من السائل الأغلى ايام الحرب للسيارات المشاركة في الحملة (تدخل الوزير محمد فنيش وقتها لنتمكن من الحصول على ما توفر من بخيل الطاقة في تلك الايام العجيبة) بببببا

يطلب مني ان احاول النوم ولو قليلاً, فغدنا طويل و انا اصلاً متأثرة بما لا يصفه الكلام بكل ما يدور حولي

كنت قد امضيت اليومين الماضيين ابكي كلما رأيت ربيع_اغلى اغلى الاصدقاء_خلال اجتماعاتنا او على لقمة سريعة: هو سيكون في اولى سيارات الحملة, وأشد خشيتي ان يصيبه مكروه او ان اراه يموت ممزقاً بفعل صاروخ مثلاً امام نظر عيني

ادمع امام رجاء سامي, اقول له نلتقي بعد قليل, لأخرج صافقة باب السيارة ورائي لأدخل في نفق مظلم أمامي يوصلني الى درج البيت و قلق امي علي و حكي اخوتي

اجدهم نياماً, فقط امي ساهرة في السرير تنتظرني . تشهر صحوها وقلق عينيها عليّ, اطمئنها اني بخير انما بحاجة للاكل, لا تسألني شيئاً, فقط تعلمني :الاكل بالبراد, و في مي, تحممي و نامي شوي
::

لا استحم, متعبة حداً لا يعرفه الكلام, ولا تكفي الارض بدائريتها لو اُعِدت لي لارتاح
اكل شيئاً لا اذكره الان,و اجلس في العتمة

افكر ببيتي: هل اعود؟
منذ ايام, ذهب اسماعيل و مريم الى صور, قطعا نهر الليطاني سيراً و سباحة ومشيا من القاسمية الى صور, وناما في بيتي
سقت مريم زريعة امي, و سألتهما اذا ما كان بيتنا بعد بيتنا, اسماعيل داعب دموعي بفلسطينيته الحبيبة على الهاتف: ولك اه بيتكو منيح, بس شو عليكي تنظيف لترجعي

ونضحك, نضحك برغم الدمع و شدة الحنين الذي يمزعني لما هو لنا: انا و امي و اخوتي وابي, و نحن كعائلة

::

اريد ان اعود , و اجد لي سقفاً , واجد تفاصيل حياتنا الماضية كلها: انانية و طماعة امام وطأة ما نُعاجل به من مشاهد لبيوت صارت اثراً بعد عين بكل ما فيها

نعم: انانية و لا اريد ان يصيب بيتي شيئاً, ولا اريد ان اخسر مزيداً ممن احب, تكفي رايان وأليس و سيلين لحرب واحدة

بدي ارجع ع بيتي: هذا فقط كل ما يتردد في رأسي و كل كياني

ارجع الي بيتي او لا ارجع: هذا رهن بقبضات الرابضين على الحمى, وبمزاجية من يوجه طياري الموت ان يرموا حقد قنابلهم

ولكن ما اريده انا هو ارجع, و سأرجع يوماً
غريب كيف تم التماهي مع معاناة فلسطين الممتدة 59 عاماً وصارت اغاني فلسطين تناسب وضع لبنان الجديد, مع فارق ان ابناء فلسطين بعد يحملون صليبهم يمضون الى حريتهم الاكيدة, و بعض اهل لبنان ضاق باقل من 33 يوم حرب
عبث: هذه الافكار من عبث حقيقي

في عز عبثية افكاري هذه, انتبه ان الشمس تطلع بعد قليل,فالفجر شقشق و انا على جلستي هذه

ازيح ما بيدي, و اعد فنجان شاي اشربه لاتقوى به على اليوم العصيب القادم

استحم في عجالة,وعلى ضوء الشمعة يصير اقل فعالية في حضرة الصباح الذي هلّ مبشراً بيوم جديد لشهداء جدد وآمال جدد و احلام تظل تعاند لتكون هي الضي, مهما طال عتم الليل

مسافة: اكبر من بحر و اوسع من السماء

كل ليل, ينهض في صدرها مارد اسمه الشوق, يفتت كل تماسك تدعيه أمام نفسها
مخدتها _رغم الحرارة العالية في قلبها و في الجو_تظل باردة باردة الا من حراق دمعها,اذ ومنذ فترة نسيتها, الآن تجد نفسها لا تملك القدرة على التحكم بما يهوي بها و يعلو الى شاهق الشهقات و ابخل الحكي

الدقائق تتباعد: ما عاد مرورها هيناً كما في السابق, صارت التك تاك طويلة طويلة طويلة,كما المسافة

عيونها تسأل عن سبب وجودها اذا ما كانت لتلمح_ولو طيفاً او في منام_ بريق ضحكة تشتاقها بكلها

ابتسامتها تعتذر_ قبل ان تنفرج عن بعض سعادة _عن قلة الالق: لا يليق بها الفرح باذخاً, عالياً الا في حضرة ذاك السحر


ترتطم كل النبضات ببعضها,ويصير الجسد فضاءً مفتوحاً على كل الانفعالات الغريبة, وتبكي اكثر, واكثر حتى يعلو النشيج الى سماء لا تعي ارتباكه بالذاكرة تحت سقفها, علّه يصله... ا



::


مسكون بهاجس المسافة: لا الهواء يحمل بعض عطرها,ولا يملك ان يمد اليها يداً تهطل بدفء العالم كله,ولا من احتدام نظراتهما يخلق خجل مشوب بالدهشة, وتندلع لتضيء العالم الابتسامات

لا شيء يمكنه ان يعوض الحضور: الكلمات المنمنمة المعتادة تصير "هبلة" مع التكرار, الاحاديث اليومية تجتر نفسها بحكم التعود الثقيل الوقع, و الشعور بالوحشة يتزايد كل صباح حين العالم يستيقظ محايداً جداً دون وقع خطى خفيفة تداعب غفو الكسل في عينيه و بين اغطية سرير يعبق بأسرار الليلة التي أفلت و اقفلت على اهنئ اللحظات

تصل الى اصابعه نار السيجارة التي نسيها _كاشياء كثيرة أيضاً_ و ينتفض مبهوتاً من الحريق, يطلق في المدى تنهيدة عالية كموج بحر لا يشهد انكسارها بالحنين امامه, علّها تصلها... ت

عيني يا فلسطينية

قبل بضعة أيام, ارسلت لي صديقة رابطاً وجدته بالصدفة لمقال قديم فيه عن اولى مشاركاتي في مخيم صيفي مع من صاروا اليوم اهلاً و رفاق عمر
واليوم, اثناء بحثي عن اوراق قديمة بين الاكواااااااااااااام من الملفات التي تحيل غرفتي الى ما أستحق اللقب الذي اطلقه عليها رفيق اتمنى له الخير امن ما هو الان "مكتبة فيها تخت و خزانة" و ليس غرفة نوم فيها مكتبة كما هي الاحوال الطبيعية, وجدت من ايام ذلك المخيم ورقة دونت لي فيها صديقة بعض مقاطع "الهلالاليا"التي كنا نغنيها في سهراتنا الصاخبة حتى الفجر انذاك
و وجدت اوراقاً بخط يدي فيها احد اجمل اغاني اللجوء و اكثرها تأثيراً فيّ متى تذكرتها بأصوات شلة نهر البارد الذين علموني اياها "محمد و عامر وشادي: مشتاقة مشتاقة لهناءة و دفء ارواحكم و اقيد لكم نبض القلب ألف شمعة ولا تكفيكم" و ايضاً وجدت كلمات الهوارة بخط معفشك جداً _اظنه لمحمد ذات الحاح مني ليكتبها_ التي لطالما دبكنا عليها في تلك السهرات التي لا اعرف لو تعود بيننا حقاً يا احبة
وكذلك وجدت ورقة منسوخة بآلة حبرها غريب عجيب "اذ لم تزل تحلحل حبرها على يدي لليوم" عليها ما بات يُعرف بالنشيد الوطني الفلسطيني (احمر مرق لي اياها هيدي يرضى عليك) اي فدائي فدائي ا
لماذا اكتب هذا هنا؟
ربما لأتشارك مع من يمر بي هاهنا ذكرى فرح عبر في حياتي طازجاً و جميلاً و لم يزل يملأ الروح اعتزازاً كلما مر بالبال
هذي كلمات الهلالاليا" الفلسطينية" يا احمر مجدداً : قطرية و مسرفة في التخصيص, مش مهم, انا هيك بعرفها و بحبها
هلا لا ليه وهلا لا ليه
عيني يا فلسطينية
كل القوافل رجعت , وين راح الزمن فيا؟
::
البنت قالت لأمها: يما ظلمتني
اول عريساجى, ليش ما اعطيتيني؟
تاني عريس اجى, دينو على ديني
تالت عريس اجى, لأروحلو وحديا
::
لأطلع ع راس الجبل و اشرف على الوادي
واعد نجوم السما جوزين و فرادي
يا ربي زخة مطر ت يغرق الوادي
واحني له ظهري جسر و اقطعك ليا
::
و الكلمات المدونة بعجلة من "راجع ع بلادي" التي احبها حد الدمع فخراً ببلادي و ناسها الذين لا يكفون عن فضيلة الامل بالرجوع
راجع ع بلادي
راجع ع بلادي
ع الارض الخضرا راجع
راجع ع بلادي
انا وولادي
انا وولادي
راجع ع بلادي
::
يا يما: في دقة ع بابنا
يا يما : هي دقة حبابنا
يا يما: هي دقة قوية
يا يما: دقة فدائية
و ع الرابعية ع الرابعية
*رافعين الراس فلسطينية
::
وهوارة شباب نهر البارد الورد هذه كلماتها
هور يا ابو الهوارة
دبرها و مالها دبارة ناس بتمشي لقدام
وناس بترجع لورا
::
هوارة يا بنت الكلب
البوسة منك بتشفي القلب
والله لاقعدلك ع الدرب
بخمسمية و طيارة
::
نزلت ع المي لويزا
طلعت من المي لويزا
بعد شوي دقنا المي
طلعت بيرة لزيزة
::
والحاجة شربت ويسكي
فكرتو مريمية
ضلت تشرب لسكرت
وهجمت ع العزابية
::

وهذه للذكرى, والضحك


كتير حكي: ما قد يقصف العمر, او يطيله

عما قليل, سيبدأ الجميع بالكشف عن عدم نومهم الذي يزنر عيونهم بهالات سوداء, الحديث متوتر بفعل الاخبار الصباحية عن القصف الشديد ليلاً الذي طال اغلب مناطق لبنان: شو منعمل؟ منضل او منفل؟ لوين بدنا نفل؟ اللي الو عمر ما بتقتلو شدة, الخ الخ الخ
التعليقات بأعلى الاصوات و الحدة لا يمكن مداراتها: اشعر ان الجميع منخرط في خناقة كبيرة لا افهم كوعها من بوعها

ادخل عن بلكونة الجيران, اتفقد اخوتي, علي لم يزل مرعوباً و يصر على اسنانه, وغسان غفى حيث كنا متكومين انا و علي اثناء الليل

أسأل علي: بدك نفل؟ يجيبني: انتي ما بدك؟

اشعر بالذنب حقاً, اتفاقنا على البقاء كعائلة في بيتنا _والذي لم يكن علي محبذاً له اساساً_لم يأخذ بالاعتبار اثر قصف من مستوى مجزرة على بعد شارعين منا. اذا بقينا , قد يحدث لعلي شيء ما.و اذا ذهبنا: هل تكون خيانة؟ افكر مع نفسي, و علي يطالبني باجابة: بدك تبقي؟


اغير الموضوع ,اقول له ان بترا اتصلت بي من مصر حين كان نائماً بعد منتصف ليل امس و اني تفاجأت من ان الخط "لقط"معها

يسألني: انتي باقية عشان تتأكدي انو رح تجيكي تلفونات دعم يعني؟

يتركني غاضباً و يذهب الى حيث ماما و الجيران لا يزالون يديرون مدبرة النحل بأصواتهم و نقاشاتهم العالية, ألحق به, تمسكني اخت جارتنا التي تكبرني قليلاً بالعمر و بأطفال ثلاث عند باب البلكون, تقول لي: جوزي بدو يروح: شو رأيك بروح معه؟

انظر اليها و الى طفلتها التي لاعبتها ليلة امس حتى ضحكنا وسط استغراب الجميع" هيدا قرارك, بس كونوا دايما سوا انت و جوزك و ولادك"واحضنها بقوة, تبكي على كتفي, وابكي انا معها قليلاً ثم امسح دموعنا. تقول لي: مش متحملة كل هيدا. انظر في عينيها واقول لها : يللا لكان حضري حالك,و انطلق معها اساعدها في لملمة اشياء اولادها

في تلك اللحظات الغريبة, اقرر انه يجب ان لا نبقى: ليست الوطنية ان تقيد حركة نفسك في مربعات اقل من 4 جدران لغرفة اذا ما بقينا هنا, خاصة ان امي و علي باعصاب تشارف الانهيار منذ الان, والكل يجمع ان الحال لن يكون سهلاً و لا قصيراً

بعد توديع رانيا و اطفالها, يسكت الجميع و يجلسون كمن وقع من علٍ في غرفة القعدة. اوصلها الى السيارة واودعها هناك متمنية لها السلامة. تحلفني ان ابقى على تواصل معها لأطمئنها عنا, وان "ديري بالك ع الكل لأنك قوية يا ملاك"اهز رأسي و الغصات تخنقني.و اركض الدرجات الى حيث ماما: اصرخ بها: يللا نمشي, عم يضربو جسور و كلما تأخرنا بيصير الوضع اصعب ع الطرقات. ترد عليّ بتوترها: ما تصرخي علي, بعدين هلق صار بدك تروحي؟


اجيبها بتحدٍ: ايه بدي اروح, بديش اموت هون انا


علي ينظر الي غير مصدق, اقول له: فيق غسان, انا طالعة اضب الاغراض اللي بتلزمنا


يمسكني جارنا الدكتور: انطرينا منطلع كلنا, رح نضب اغراضنا نحنا كمان, منمشي سوا

ماما تصرخ بي على الدرج, لا ارد: اصل الى البيت لاهثة, وأبدأ برمي اغراض لكل منا في شنط و اكياس, افكك جهاز الكمبيوتر, امسك كيساً اضع فيه كتبي المفضلة و بعض دفاتر واوراق فيها كل ما انا, و كذلك شهاداتي واوراقنا الثبوتية

فجأة ارى علي و ماما وراءه و كلنا يجمع ضرورياته, غسان سيأتي لاحقاً و"بوزه شبرين", وينتقدني: بعلمي بدك تصمدي؟
اقول له: لا من حقي و لا من حقك نرعب ماما و علي, الصمود مش جغرافيا, ,وهلق مش وقت حكي, رايحين يعني رايحين يا غسان

البراد فيه اكل, نفرغه للجيران الذين بدأت بيوتهم تضج بالوافدين من قرى الجنوب من اقارب و صحبة
نترك مفاتيح البيت معهم كذلك, خزان ماءنا ممتلئ , سيمكنهم الاستفادة منه اذا ما انقطعت الماء, وكذلك يمكن لمن يجروء ان ينام في شقتنا, سيكون هناك الكثير من الاسرة الفارغة عما قليل

نبدأ بتوديع جيراننا: اهلنا و عشرة العمر الطويل الذي قد ينقضي قريباً
الدموع و الغصات تتآكلنا جميعاً: نحن الذاهبون على الباقون, وهم علينا


نجلس في السيارة سريعاً وبلا و لا نفس. ماما تفكر بالمرور لأخذ خالتي و طفليها معنا, ارجوها ان لا تفعل: جوزها مسؤول عنهم, اذا صارلنا شي بتكون بدمتنا يا ماما, نحنا اولادك و مسؤوليتك, بس ولا حدا تاني


تبكي و هي تسمعني اصرخ كلامي هذا ,ولكن هذا ليس الوقت الملائم لمراعاة آداب الحديث


الشوارع مقفرة, صور مبوهتة بعد بمجزرة الامس, نلمح عمو عادل, صديق ابي وعائلتنا منذ زمن. نوقف السيارة و اتعلق برقبته بحرارة قد افقدها مع حياتي ربما لو متت في هذه الحرب المستعرة. تلمع الدموع في عينيه, ماما تبكي و علي يستعجلنا بردات فعله كلما سمعنا طائرة ترمي حمولات حقدها في مكان ما, وبوز غسان يتعدى الشبرين

تستشيره ماما بخصوص الرحيل, يقول لها انه يدبر رحيل عائلته كلها كذلك, واننا سنبقى على اتصال اينما كنا, هو العمر و تجارب الفقد و الضياع يجمعهما مجدداً: هذه المرة ماما هي رب اسرة, مثله تماماً,وليس من ابي يخفف الحمل عنها ولو قليلاً

تخبره بأني لا اريدها ان تجلب معنا احداً, يقول لها ان هذا رأي سديد: خدي اولادك و روحي, هلق مش وقت تفكري غير بعيلتك
سأبكي في حضنه ويمسح دموعي في الثواني الاخيرة قبل انطلاقنا في طريقنا الى المجهول

حين تدير ماما السيارة يشتد بكائي, لم اجلب ألبومات صورنا, افكر: لو راح بيتنا, مش رح يكون عنا ولاااااااااا صورة لبابا او لطفولتنا
ثم اقول لنفسي: بس لو متنا نحنا, بيكون في النا صور ع القليلة
الان افكر و اضحك حين اذكر صديق لي قال لي مرة مطمئناً حين اخبرته بفكرتي هذه اني لو اسرت او مت خلال الحرب, فلي صور جميلة ستنفع لتصاميم التضامن او ملصقات الشهداء

تسألني ماما بعصبية: شو في؟شو في؟

امسح دموعي و اقول لها: رح اشتاق للبيت, واسكت اغلب الطريق الطوييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييل الى ما لم نعلمه لحظتها

بحر صور مدجج بالبوارج, والسماء مسقوفة بالهدير, اغمض عيني لا اريد لمدينتي صورة سوى بهائها اليومي البسيط في حضرة التاريخ و في حضن البحر,اقول لنفسي: رح نرجع, اكيد رح نرجع
::
ستكون الطريق حقاً طويلة, كأنها كل العمر: 9 ساعات من الجنون المطلق في تحدي آلات الموت الصهيونية التي تعيث خراباً في كل ما حولنا و تحاول بث ألحان الموت الجنائزية في ذلك التموز الذي كنا نتأمله جميلاً

صور المجازر التي حدثت تطاردنا, والاخبار التي سمعناها في الايام السابقة عن استهداف السيارات _حتى تلك التي تغضبني حين اراها تلوح بما هو ابيض على سقفها_ لا يجعلان المرء مطمئناً انه يترك الموت وراءه حقاً

امي تقود السيارة وسط ذعرنا من هول ما نراه: هذا الجسر الذي اقطعه كل يوم في طريقي الى عملي صار اثراً بعد عين و قبل حاضر لا يبشر بملامح غدٍ قد يكون أصلاً, هذه البساتين التي تزف الينا الربيع قبل الورد بخضرتها صارت ارضاُ بوار تنعب فيها الحرائق, هذه الشواطئ التي لطالما ضحكنا للسعة ملحها على اجسادنا السمراء حين يلوحها الصيف, وعلى شفاهنا حين نتراشق بالضحك صارت مرتعاً لقصف قد يأتيها من اي حدب وصوب

سبابة ماما مرفوعة تشهداً طوال الطريق, وانا في سري اتمنى ان نموت جميعنا اذا ما اصابنا شيء, او ان نحيا جميعاً
كان التفكير باحتمالات ان ارى احد من اهلي مصاباً او مبتوراً او بعاهة دائمة كانت يرعبني, فكرة ان اكون انا عالة على اي منهم ايضاً كنت استصعبها حد تمني الموت

نعبث بالراديو, التشويش يمنع التقاط بث اي محطة ما عدا صوت الشعب(وهي للمفارقة اذاعة الحزب الشيوعي اللبناني) التي استخدمها الصهاينة لبث دعاية تحريضية سخيفة نصها كان "اين هو خسن؟ انه هرب!ان خسن مختبئ في مغارة تحت الارض و قد ترككم لتموتوا من اجله"
وطبعا خسن المقصود هو السيد حسن نصر الله
نضحك بخجل بداية, ثم نصخب بالضحك على تفاهتهم هذه
لاحقاً سيمطرنا الصهاينة بمناشير غبية تحرض على المقاومة وبدعايات و اتصالات هاتفية تظل تعيد ولا تزيد في نفس الكلمات المضحكة

الان اتمنى لو ان لدي تسجيلات لاصواتهم و ركاكة عربيتهم , كانت تلك فواصل كوميدية حقاً تقوينا بها على مجازرهم لأنها كانت تخبرنا اي مدى من الهزيمة قد بلغوه ليتقولوا مثل هذه التفاهات

نقطع طريقاً غريبة عجيبة لنصل في نهاية المطاف الى قرية "بيصور" القريبة من مدينة عالية الجبلية. الان حين افكر بالخارطة الجغرافية لمسيرنا انذاك, افكر كم بشع ما مررنا به

حين وصلنا الى جزين, سمعنا عن مجزرة اصطادت فيها الام كامل سيارات على جسر الغازية بفارق اقل من ساعة بعدما قطعناه
امي نعانق جارتنا_زوجة الدكتور_ وتبكيان وسط دهشتنا, نحن الاولاد,: مفروض يكونو مبسوطين لانو نحنا ما متنا, ليش عم يبكوا؟

نغير الجو بشراء شوكولاته و نشبيس لأن بطوننا خاوية, تنظر الامهات الينا بتطليعة "الناس بالناس و انتو بشو", علي يستعيد بعضاً من مرحه المعهود ويقول ببراءة"جوعانين, شو يعني اذا ما متنا بالقصف منموت من الجوع"

نضحك بصخب, انظر في وجوه اخواي و امي تسمح دموعها, اتنفس الحياة ملئ قلبي: فبرغم كل شيء,لا زلنا احياء و نضحك


::
ويتبع كمان و كمان

كتير حكي: عن ما يقصف العمر حقاً

يوم الحرب الخامس: صور محاطة بالقصف من سماء و بر و بحر

بالامس قصفوا معملاً للبلاستيك في قرية قريبة من المدينة, ورائحة الحرائق تفاعلت مع رطوبة تموز و حلكة الليل لتطيله اكثر, وام كاملات تجمعن في السماء يحيين "صبحية" على طريقتهم

على الارض كانت الامور مختلفة: ارهاق من السهر و من ردات فعل المحيطين, شخصياً احتاج النوم كثيراً لأني امضي يومي _اضافة للتعرض للقصف و القلق على البلد ومصير من احب_ وانا اهدئ روع فلانة و احاول ان افرفش مزاج علتان من الجيران والاصحاب و الاهل ممن نتمكن من التواصل معهم

الاصحاب على الشبكة العنكبوتية يمطرونني بالايميلات و الرسائل و محاولات الاتصال, وانا عندي قناعة لا ادري من اين استمديتها طوال ايام الحرب "رح نفسخ الصهاينة", اكتبها في كل منتدى و في كل ايميل لاصدقائي, وانا على يقين بأننا لن نهزم

ذلك الظهر, اكون مهدودة , اترك امي و اخوتي في الطوابق الاولى من بنايتنا و اتسلق الدرج الى طابقنا الخامس اريد ان انام, اكتب في منتدى مدن اني سأنام في البيت فيطلب مني كسار الزبادي "وهو اسم افتراضي طبعاً" ان لا ابقى في الطابق الخامس, ولكن من يلوي عنادي التاريخي؟
ارد عليه بمزاجي الذي يحاول ان يبقى على ضفة الامل, مهما لاح اليأس في كل ما حولي

زهقت يا كسار و صغرت روحي
اردت ان استغل بعض الهدوء لأنام قليلاً فطوال الليل لم أنم
وبصراحة: صغروا روحي الاولاد و النق و الاهل اللي عم بيخافوا ويتوقعوا و مدري شو وكلو حكي فاضي يعني
بيهبط المعنويات
قلت بجرب بلكي بقرأ شي مفيد وبجرب انام شوي
بالاخير القصة كلها انو اللي الو نصيب يعيش بيضل طيب ولو بسابع سما, واللي انتهى عمرو بيموت ولو بسابع ارض
تسلم صديقي ع اوامرك
بس اسمحلي اخالفك


::

افتح كتاباً قرب سريري من المجموعة التي اتيت بها معي من عمان, كنت متحمسة لقراءة الكمية الهائلة التي إستنزفت جيبي من روايات صنع الله ابراهيم ومحمد شكري
ولكني متعبة و اريد راحة من غيمة (مع ان الغيم لو هل في سماءنا يومها لجلب لنا الخراب), فأقرر بحزم: سأنام

ارمي الكتاب و احاول الغفو رغم الحر, وحدي في البيت و الطيران يحوم في السماء التي لا يحميني من ما قد تهل علي منها سوى طابقين يعلوان بيتنا و البرج الملاصق للغرفة التي انام فيها, والذي اذا ما ضرب فأنه سينهي حياتي بأصغر شظية تأتيني منه

افكر بتهديدات الصهاينة و بالمناشير التي رموها علينا ذلك الصباح


الى السكان اللبنانيين

اثر الاعمال الارهابية المستمرة لحزب الله المُطلق العنان و التي تمس بالجهود الرامية لإيجاد مستقبل أفضل للبنان يعمل جيش الدفاع الاسرائيلي للفترة التي يراها ضرورية بغية الدفاع عن مواطني دولة اسرائيل
من اجل سلامتكم و لرغبتنا بمع الحاق الاذى بالمدنيين غير المتورطين , عليكم الامتناع من التواجد بالامكان التي يتواجد فيها و يعمل منها حزب الله
عليكم ان تعلموا ان استمرار الاعمال الارهابية ضد دولة اسرائيل يعتبر سيف ذو حدين بالنسبة لكم و بالنسبة للبنان
دولة اسرائيل


متعبة و دماغي فعلاً غير صاحٍ للتفكير بأي شيء سوى بإلحاح جسمي انه يريد ولو ثوانٍ من الراحة, اسلم نفسي للنوم و ببالي فكرة واحدة: اللي مكتوب لو عمر ما بتقلته شدة

اغفو بنهم: الايام الماضية كانت صعبة و متعبة و عصيبة,وعلى صعيد شخصي, ذقت مراراً في ما اعتبرته صداقة اكتشفت في عز الحرب و امام احتمالات الموت و الحياة انها كانت هراءً بهراء

عما قليل, أستيقظ على حركة اخي علي, يكون القليل كثيراً: اكون قد غفوت حوالي الساعتين. اسأله: في شي؟
ويقول لي "نامي, بس عم بدورلك المكيف عشان اجت الكهربا" اطلب منه ماءً ويسقيني بحب, اسأله عن ماما و غسان يقول لي ان ماما مع الجيران و غسان يشاهد التلفزيون
اقول له: منيح, شكلهم مروقينها علينا اليوم ثم اعود للنوم

::

ارى علي و غسان من عل! يصرخان بي بجنون, يلا لتحت يلا
الصوت الهائل الذي قذفتني قوته الى ما فوق السرير ظننته لبنايتنا او البرج الملاصق لها
اركض سريعا: احمل شنطتي التي جهزتها قبل ليلة, فيها كل ما قد احتاجه (هكذا ظننت) و ابحث عن نظارتي, لا ارى جيداً لأني بدونها و لأن ثمة عاصفة من غبار ابيض ملئت بيتنا و شعرنا و عيوننا

يجد علي نظارتي, يعطيني اياها و هو يدفعني: , يللا اركضي لتحت
مش نازلة بدونكم, يللا_

ننزل الدرجات معاً, قلب و احد و اخوة في مصير واحد, كما في حياة واحدة في كثير من تفاصيلها.
نجد ماما شبه منهارة على درجات الطابق الاول, تظن القصف اعلى بنياتنا و هي الوحيدة التي كل ابنائها في العلالي, نهزها جميعاً اننا بخير, وتداهمنا اصوات سيارات الاسعاف و العويل الذي عبئ الشوارع كما الغبار و شظايا الردم

انزل الى الشارع مسرعة,ارى العجائب من كل صوب: امسك هاتفي و ابدأ بالاتصال بصديقي الذي يعمل في الجزيرة اخبره بما حدث, يصرخ بي ان اهدأ و ان احتمي مما قد يضرني, اكون اصف له ما ارى بهستيريا

يمسكني ابن جيراننا و يجلسني على الرصيف و يقول لي :يا ملاك اهدي
لا انتبه اني "عم بنطنط بأرضي" مدينتي مرتدية بياض الغبار المسحوق و رائحة الدم الطازج و صراخ الرعب المندلع من حناجر و عيون الهاربين من موقع المجزرة الذي لا يبعد كثيراً عن بيتي

شارعان فقط: وبينهما عالمين كاملين من التفاصيل, هنا امي و رائحة اخوتي لم تزل في الزوايا, وهناك اختلطت الصور بالروائح بالموت

كيف لا انطنط صدمة؟

::

ذلك الليل كان اطول من كل ليل اخر عشته: الطيران يعرش على الهواء, لا كهرباء, لا اضاءة _ولا حتى ضوء شمعة_بتعميم من البلدية, ولا نفس يعلو فوق انفاس الترقب و القلق

كنا نتناقل اسماء الشهداء و نبكي بصمت, كلنا في عيونه و قلبه سوأل: ونحن؟ متى دورنا؟

الصغار يريدون ان يفهموا, اسئلتهم تزيد الجميع كرباً,فأقرر ان اخذهم الى غرفة في بيت جيراننا الذي سنبات جميعاً ليلتنا فيه (نبات؟ اي بيات يا مخبولة يا انا ؟هل جننتي؟) احكي لهم قصصاً و الاعبهم و نصخب ببعض ضحك اتفاعل معهم فيه حتى اخر الروح, من يدري متى سنفرح بعد؟ او هل سيكون من متسع لفرح ما؟

بعد قليل, اشعر بحكاك مزعج بسبب الغبار الذي يتعشق خلاياي
ابلغ ماما : طالعة اتحمم
يجن غسان وعلي يرجف: يا مشحرة نحنا بشو و انتي بشو؟
بتحمم و بجيب مي و بطاريات و مخدات, كيف بدنا ننام؟_

غسان يقول انه سيأتي معي, في النهاية كلنا نطلع الى بيتنا معاً, امي تصدم للمنظر, بيتنا كأنه شاب فجأة
كل شيء ابيض ابيض, كأنما صار مساحة من ضوء
اتركهم لما فيهم و اتحرك سريعاً باتجاه الحمام, المياة بااااااااااااردة, ولكني متسخة حقاً, وليس من وقت لترف عالٍ من نوعية ماء ساخن , ولو قليلاً كي لا تتجمد خلايا رأسي

يحضرون اغراض النوم, و الماء و الخبز و المأكولات التي لا يضرها ان لم تبرد (جبنة و مرتديلا و بسكوت)وهذا لو تعلمون امر عظيم مقارنة بايام ستأتي علينا لاحقاً

وغسان يستعجلني, وانا اقوم بما لا يمكن لعقل ان يتصوره في تلك اللحظة: اعتني بكامل تفاصيل انوثتي في الدقائق العجيبة تلك

انزع الشعر عن جسمي, اختار ملابساً داخلية احبها, استعمل عطري المفضل, واقرر اي ثياب مريحة و مرتبة سألبسها حتى في نومي
الجميع يستعجلني : يا مجنونة يللا

طوال الحرب وما بعدها كنت افكر بأني لا اريد ان اموت بشعة وغير مرتبة, عشت حياتي سراً و علناً على غير ذلك,فكيف اموت اقل ترتيباً و اناقة ؟ اذا مت: لا اريد ان تصور الكميرات ما لم اكنه يوماً بداعي التعجل, ففي النهاية: اللي مكتوبلو عمر ما بتقتله شدة

طبعاً الفكرة سخيفة, اذا مع نوعيات الاسلحة التي جُربت بنا, قد اختفي و تبقى ملابسي مثلاً كما حدث في عدة مجازر, او قد تطرش اشلاء لحمي كل ما حولي حين تنفرم, او يمكن ان اتفحم ببساطة

ولكنها نعمة_او لعنة_ الامل العنيد في حياة تبدو اقرب الى نهايتها مع صوت كل غارة تتجدد

تلك الليلة, ووسط احاديث الترقب و الانخبال مما يحدث حولنا حقاً, تحدث السيد حسن مجدداً,سمعناه عبر الراديو ابو بطاريات وكبر قلبنا رغم كل الألم الذي يغذي نبضه كالدم حين قال ان الصهاينة لن يكونو بمأمن و ان حيفا ستضرب و انهم سيذوقون مراً لطالما تجرعناه حتى اعتدنا العلقم و بات الحلو غريباً في دمنا و حياتنا

بعد كلامه استلقيت جنب علي على فرشة حشرناها لتسع تعبنا و ترقبنا للاتي, ادار وجهه و رأيت ما هالني: شعره يملأ ظهر بلوزته البيضاء, كان اخي مرعوباً ويكابر

فمنذ بداية الحرب قررنا اننا لن نترك بيتنا ولو متنا فيه, ولكن تلك الليلة اظهرت ان علياً هو حلقة قلبنا الاضعف, واننا قد نغامر بحياته مقصوفاً بالرعب اكثر من الموت الحقيقي لو بقينا في صور

اتت ماما الينا, غسان مع ابن الجيران على البلكونة يراقبون اللاشيء, فماذا يُرى أصلاً في هذا العتم الممتد حد الصدى؟

تعلقنا بأمنا: ماما, هيك كان ب 82؟اسألها و تقول لا, هيك ما عشنا و لا شفنا قبل
اسكت و اسمع لنبض قلبها و اشد نفسي اليها, تداعب شعر علي و تخيفها سماكة طبقة القشرة التي تجمعت على فروة رأسه,ولأخي حكاية طويلة مع القشرة التي تنبت في رأسه بمجرد ان يخاف او يجفل من شيء ما

نسكت معاً و نصغي لكل شيء, اغفو انا قليلاً, وتعدل ماما من وضعية رأسي, ولكني اسمع جارتنا تناديها بعد قليل, فتنسحب اليها ولكن علي يعترضها, يمسك برجليها حين تقف و يقول لها: ماما دخيل اجريكي لا تخلينا هون
اشق عيني خائفة من مبلغ خوفه, ألمح عيناها تلمعان ايضاً بالخوف

ياااااه كم نحن آدميون في خوفنا الفطري على الحياة

::

اضم علي الي و لا احكيه,وسندعي النوم. غسان سيأتي في وقت ما من الليل و يغفو بجوارنا, وحين يطلع الضوء سأقوم الى البلكونة: لا احد نائم حقاًو لكن التعب ابتلع اي قدرة على فتح العيون عند الاشخاص الخمسين الذين باتوا ليلتهم في تلك الشقة التي طفحتبنا حتى اخرها

تلحق بي جارتنا التي كل اهلها في قرية "طير حرفا" الواقعة مباشرة على اللسان الصخري الذي يسور البحر في منطقة جنوب صور وصولاً الى الناقورة
تسألني: شو رأيك رح يصير؟
اهز كتفي: ما عندي اي فكرة, منموت ؟ منضل؟ مش مهم: المهم عندي انو السيد حسن ما بيكذب لما يوعد انو يوجعهم, وهالمرة هني كمان عم ياكلو عصي, يعين ع الاقل لو متت بعرف انو دمي مش ببلاش

تحوقل و تضرب كفاً بكف: هي تحب السيد و نثق به كذلك, ولكنها بلا شك ادمية مثلي ومثل امي و اخوتي تماماً, تخاف على من لها, وعلى حياتها

امازحها: مش دايماص بينحكى قديش حلو نعيش يوم بيوم! هيانا عم نعيش لحظة بلحظة ف:فرفشي! هيك كل ثانية بيصير لها قيمة
تضمني و تدعو للجميع بالسلامة, ثم تباغتني: شو حلوة ريحة شعرك

اضحك فخورة بإنجازي الصغير المجنون: تحممت مبارح و نظفت حالي, وتضحك معي: برافو عليكي

هذه الضحكة المجترحة من قلب القلق كنز, وهذه شمس تضيء حقاً
يتبع, يجب ان يتبع











الآن هنا: جنوب الجنوب و الكرامة جهات اربع

هذا النص كتبته منذ سنة تماماً, حين كان الموت يلعب بأيامنا و حياتنا, ونشره لي في منتدى مدن الصديق "كنعان مخيم", حين كان الانترنت و الكهرباء و الوقت امنيات غالية
اعيد نشره هنا بعد سنة , وبدون اي تعليق, الحقائق على الارض وحدها تعلق
وايضاً: حرقة قلبي و حريق اصابعي حين طبعت حروفه لا يزالان يضجان برائحة النار المتقدة في الروح كرامة و فخراً و عشقاً بالحرية التي لا تحددها الجغرافيات , ولا تحدها الحدود
::
في هذه العجالة , وعلى وقع هدير الأف 16 و خلفية القصف المرعبة أصواته, لا أكتب لأحلل او أنظّر في السياسة
أكتب ما أعرفه كخطوط يدي وأحرف إسمي.أكتب من الجنوب: من صور المحاصرة بالغل و التي لم يأتِ دورها بعد في الجنون الصهيوني المُستعر لليوم الخامس على التوالي
أكتب لا لشئ, بل لأنه من غير الممكن بعد ان يُترك كل من يريد للحديث عما يريد دون ان يرجع إلينا: نحن الناس, نحن الواقفين على خطوط النار,ونحن أكثر من يدفع ثمن "مغامرات" الصهاينة من دمنا و أيامنا و حياتنا
بخس هو الموسم السياحي أمام مشاهد تشقف وتشظي جثث أهلنا: أمهات وأطفال و رجال و كبار, "راحت عليهم" وما عاد من متسع للحلم او لـ"عروسة*" لبنة , او فنجان شاي و "اهلا وسهلا" أخيرة لهم
لقد انتهى الأمر: اسرائيل, دولة الكيان الصهيوني الغاصب, رب الخراب والموت أمرت بشرب دمهم طازجاً و تذوق لحهمه طرياً
قليلة اثمان الجسور والبنى التحتية, وهي المدفوع ثمنها سلفاً بديون ترهق كاهلنا حتى ما بعد أجيال, او مُحالة الى الحل السياسي الذي تُزل فيه عن عاتقنا بمجرد قبول سلم (هو في الحقيقة استسلام) مع الكيان الغاصب
قليلة كل المطارات و الطرقات و كل ما هو جحر أمام الدمار الداخلي الذي يشوه الانسان فينا
بلى: الانسان! الرأسمال الوحيد الذي نملكه و نريده يظل عالياً عارماً بالقيمة و المكانة في هذا العالم الغبي
(اللعنة, ثمة قصف جعل البيت يرتعد الآن)
وأنا هنا, جزء من شعبي و ناسي, أقول لمن فوضوا أنفسهم بمجرد وجود هذه الارزة على بطاقات هويتهم, او من يروون في عروبتهم امتيازاً لتحليل ما يحدث: أصمتوا الآن
إسكتوا , لقد سمعنا من هرائكم و سفسفطة كلامكم ما يُغثى.وعليكم ان تسمعونا ونحن قررنا: سنصمد حتى الرمق الاخيرة و النفس الاخيرة و الشهيد الاخير
كفى رياءً ومخاتلة لأنفسنا.ليس ثمة من بدأ و اخترق و تعدى الآن
ولا تحصروا فهمكم المبسط فقط في "الآن"ثمة ما يدور هنا منذ 1948, الا تعوون؟
ثمة كرامة عالية متعملقة على كل جراحها انتصرت على الكيان الذي يتبجح بجيش "لا يُقهر" مرة إثر مرة: من بيروت 1982, الى صيدا وصور 1985, الى ارنون 1997 حتى انتصار ايار 2000, وجاء 29 كانون الثاني استكمالاً لنهج الصاعدين الى جحيم الحياة , جنة الكرامة, بتحرير اسرانا
::
عن الآن كما تريدون
يعجبني في وسط كل هذا الموت, من يسوي ربطة عنق ويستعد بفرح غبي للظهور على شاشة التلفزيون ليقول: هالمرة حزب الله بلش
هالمرة الاسم حزب الله, ولكن الاسم كان دوماً "اسرائيل"و"هالمرة" لم يعتدِ حزب الله, بل مارس خلاصة وجوده: قاوم, وبعد سيقاوم بنا وبكامل استعدادنا للموت على شرف الكرامة, لا العيش على القيد_القيد الصدئ_للحياة التي تُراد لنا
ماذا فعل حزب الله "هالمرة"؟
إخترق الخط الازرق لأسر جنديين غاصبيين لمبادلتهما بأسرى لبنانين و عرب يفوق عددهم العشرة الآف اسير؟
حسنٌ: سنكون ملكيين أكثر من الملك ونذهب مع مرددي هذه الترهات الى النهاية: اين كانت تحليلاتكم الجهبوذة هذه في كل مرة خرق سلاح الجو الصهيوني سيادة لبنان الجوية؟
اين كنتم حين خُطف الصياد محمد فران من المياه الاقليمية اللبنانية؟
اين كنتم حين اغتال الصهاينة قادة في حركة الجهاد الاسلامي في وسط صيدا منذ فترة أقل من شهرين؟
أين أنتم وكل يوم خروقات للصهاينة على "سيادة" لبنان؟
أين ألسنتكم الطويلة حين إنكشفت رؤوس شبكة من العملاء المدججين تجهيزات وحقد ؟
كل ذلك الوقت الذي ما عاد "الآن",ما سمعناكم تقرعون رؤوسنا ليل نهار بكلامكم المنمق حول ما يجب ولا يجب ان يكون.والآن تحكون؟
اسكتوا رجاءً
ثمة أصوات أعلى من ما تحاولون الحديث عنه للظهور بمظهر العارف ببواطن الأمور
أصوات القصف التي تهز قلوب أطفالنا, أصوات العويل الذي يسحق ارواحنا
ثمة أصوات تشظي البشر: أهلنا, ناسنا , شعبنا الذي يدفع "الآن" كما دوماً, فاتورة دم غالية بالأصالة عن نفسه و بالنيابة عن كل شريف و حر على هذه الارض
و"الآن" شعبنا يثق بهذه المقاومة التي ما وظفت دم شهدائها و لا شهداء الوطن في حسابات سياسية داخلية ضيقة
ويثق بسيد هذه المقاومة التي قدم على طبق من إيمان , فلذته و ابن روحه الشهيد هادي.شعبنا يثق بذا العمة لأنه يعيش مع شعبنا الوجع و يرفع معه رايات النصر
وذا العمة و البسمة و الهدوء الواثق في عز المعمعات قال ان الصبر سبيل انتصارنا, ونثق به
شعبنا الذي ليس شيعياً بكامله _كي لا تلعبوا على هذا الوتر البغيض المتأصل فيكم_وشعبنا ليس غيبياًً بأغلبه _كي لا تحيلوا الموضوع الى ايمان بالماورائيات
أنا التي تكتب علمانية غير شيعية و غير غيبية بالمرة, ومع ذلك: في معركة الكرامة, انا مع المقاومة و"الآن" أنا مع حزب الله
وكنت دوماً مع حزب الله مقاوِماً ومدافعاً عن كرامتنا جميعاً, لا شيعيين ولا حلفاء سياسيين , ولا فقط لبنانيين, بل شرفاء هذا العالم القليل الشرف و الملطخ بعار صمته عن مجازر يومية إرتُكبت بحق شعبي و أهلي منذ قام الكيان الصهيوني على أرض مُستلبة وعلى حقوق مُغتصبة
وسأكون أبداً_وجزء كبير من فسيفساء شعبي في الجنوب وشعبي الحر في كل مكان في العالم _مع كل من يحمل رايات الحرية و العزة ليعليها بكل وسيلة و سبيل أمام كل ظلم في الكون
الآن يا سادة الوقت الذي يداهمنا بالموت و أنتم في مطارح الكلام الذي لا يُكلف كثيراً تمرحون: "الآن" نعلن أننا قررنا ان نخوض معركتنا الاخيرة هذه حتى النهاية: نهاية كل الاشياء, نهايتنا نحن او إنهاء وهم الصهاينة بأنهم يقدرون ان يمرغوا إنسانيتنا و كرامة وطننا في وحل خروقاتهم وطين عجرفتهم متى أرادوا
::
"عن ما يتبع "الآن
في معرض من يحكي عن "التوقيت الخاطئ" و"الموسم السياحي", والبعض غامر بمواسم كاملة من حياة البلد سابقاً و إختار دوماً تواقيت سيئة لبدء حروب صغيرة بدم شعبنا, يقول بعض القائلين: هل يستحق اسيرين صهيونيين تدمير بلد بأكمله؟
أعكس لهم السوأل ليتفضلوا بحنكتهم العالية لمحاولة الاجابة عنه: الا يستحق 10 آلاف اسير في سجون الاحتلال_ منهم 3 لبنانين مؤكدين_ ان نحاول تحريرهم بكل ما يلزم للحرية؟
وأسألهم: هل المسألة هي فقط جنديين؟
وقبل ان يفكروا في اجابات مبسطة لأسئلة كبيرة, خذوا جواب الناس الذين اشك انكم تعرفون كيف يفكرون : يستحق أسرانا أكثر من بنية تحتية لبلد لم يُصغ بعد هويته الوطنية الجامعة, والمسألة حتماً ليست جنديين فقط
المسألة هي "تكسير رأس" الشعب الذي احتضن المقاومة عاماً بعد عام, منذ "جمول" التي انجزب جزءً غير قليل من تحرير الوطن حتى (حزب الله الذي إستكمل الحرية حتى مزارع شبعا و الاسرى (ولنا تجربة في مصداقيته في موضوع الاسرى كلنا نذكرها ونعيها
هذا الشعب الذي يظل_ على هشاشة النظام السياسي الذي يحكم بلاده_ اقوى من محاولات الحل الفردي سياسياً, فالمسألة لا تكمن جذورها في السياسة هنا, بل في تركيبته الاجتماعية و النفسية: هذا شعب عنيد و مقاتل
شعب أطلعته جبال شماء, وارض كلما تحبل به يناضل: من شتلة التبغ الى شوكة البلان وزهور المروج
هذا الشعب_شعبنا_ لا يُريح عدونا بعناده, وسنظل على إقلاقنا لراحة مغتصبيه ووجوده البغيض على الارض الحبيبة المُستلبة
والمطلوب "الآن" ودوماً كان مطلوباً و سيظل مطلوباً: الصمود
وشعبنا كبير فيه وعالٍ على الوهن في خياره الكبير هذا.ولكن الصمود ليس فرشاً و اكل ومواد طبية ومحروقات فقط: الصمود ثقافة نحتاج تعزيزها الآن أكثر من اي وقت
نصمد عن كل الوطن, أفلا يحق لبعض هذا الوطن المُعترض على خيار لا سواه لنا ان يدعم صمودنا؟
اذا لم يكن بكلام رفع المعنويات و دعم الارادة, فليكن بالصمت عن سواهما
ارجوكم: أما اخذتم بعد حصتكم من الكلام المغامر بدمنا و أعصابنا أكثر من ألف قذيفة و صاروخ؟
لو ما شبعتم: سريعاً "خذوا حصتكم من دمنا و انصرفوا"** الى صمتكم
ما نواجهه الآن حتماً تعدى اسيرين صهيونيين, وتعدى مسألة قرارات الشرعية الدولية التي تحت خيمتها الزرقاء احرقت اسرائيل 106 مدنيين لبنانيين (منهم طفلين حملة الجواز الامريكي) في قانا 1996
وهم_اصحاب الخوذ الزرقاء_رفضوا بالامس فقط ايواء عائلتين من قرية مروحين الجنوبية بحجة "الخوف من تكرار مجزرة قانا", فتكررت المجزرة بكل الاحوال انما بدون الخيمة الزرقاء ( الان افهم ان لا فرق بين من على رأسه خيمة زرقاء وبين المكشوف الرأس الا (عن رحمة ربه
نواجه الآن عدواً يريد كسر الارتباط بيننا كمدافعين عن حقنا بالحياة أحراراً , وبين أهلنا الفلسطينين في نضالهم الدموي لتأكيد حقهم في الوجود أحراراً أعزاء كرماء على ارضهم الحقيقية
نواجه عدواً لا يعترف بأي خط لا احمر و لا أزرق و لا أخضر, وعليه: نحن الضحية التي تُحاكم على أنها الجلاد نرفض احترام اي خط واي ميثاق و اي تعهد الا "حقنا" في ان نكون او لا نكون
ومن جوقة من صمتهم ملح و ضروري الآن, كل من يحكي عن عدم زج "فلسطين" في "ازمات اقليمية"بلى هو "رئيس السلطة الفلسطينية" التي هي حكم ذاتي يشابه في وجوه كثيرة الادارة المدنية التي خلقها الصهاينة في جنوب لبنان أيام الاحتلال, والتي لا ترقى الى ابسط مقومات "الدولة المستقلة" ولا عادت "حركة تحرر وطني" اساساً
هو الذي كان شاهداً و فاعلاً في زج كل بلد عربي في ازمات و دوامات لأجل فلسطين (ولا منة منا في ذلك, ففلسطين قضيتنا بنفس القدر ال(ذي كرامتنا في لبنان قضيتنا
نحن الآن, الشعب الحقيقي الذي دمه يصبغ العلم الوطني و الوجود بشرفه نعيد اللحمة الى القضية التي فككتها مغامرات الساسة : نحن نريد حريتنا, نحن شعب الاحرار نريد ان "نموت بعزة ولا عيشة معزة"** ا
وبتنا أكثر ثقة ان "النصر آتٍ آتٍ آتٍ" كما قال سيد المقاومة وحبيب ارواحنا الذي تشيع الصهيونية عبر اعلامها انه اُصيب في غارات الليلة الطويلة الفائتة على الضاحية الجنوبية لبيروت
سننتصر حتماً, فليس ثمة ارض لم تلفظ محتلها في التاريخ, وليس ثمة شعب لم يأكل لحم المُغتصِب
فالصهاينة, وللمرة الأولى في تاريخ الصراع معهم, يتألمون, يتوجعون , يحصون الخراب و الضحايا و لا يتماسكون
نحن نتماسك لأننا اصحاب الحق الذي لا يحتاج الا قليلاً من الصب ربعد _وربما كثيراً من الدم_ لينتصر
أما هم: فلا اسلحة الجيش و لا العقيدة العنصرية منعت تدمير هيبتهم كأقوى جيوش العالم و أمنع حصون القومية, جنودهم اسرى لمن يعتبرهم العالم "ميليشيات"وثاني اقوى بوارج اسطولهم الحربي لا تنفعها دفاعاتها الممتازة و الدقيقة في رد صواريخ الحق
لقد بدأت هزيمتهم منذ بدأ كيانهم, برفض الفلسطينين لمحو هويتهم العربية, ولكن الدعم الدولي المطلق مكنهم من الخروج من كل ازمة وجود وقعوا فيها بحل منفرد وجزئي مع كل دولة عربية على حدى :اوسلو بعد الانتفاضة الاولى, واتفاقية "السلام "مع مصر بعد حرب العبور, اما السلام مع الاردن, فمنذ متى كانت المملكة_سياسياً_ بأغلب ملوكها الا صهاينة بجوازات شرق النهر العربية؟
اليوم لا حل يا دولة بني صهيون: وصلنا الى آخر العناد و آخر السياسة وآخر كل الاشياء
محاصرون انتم وألف أحمد و أحمدة عرب يصرخون بدمهم "أنا أحاصركم"من غزة جنوب فلسطين التي تريدون تأديب شعبها لخيارهم الديموقراطي الذي لا يناسب اجندتكم للمنطقة "حماس", والتي كسر شعبها الاسطوري العناد طموحات مشروعكم الاستيطاني وأجبركم على تفكيك مستوطناتكم وهربتم من ارضها التي تشتعل ناراً تحتكم ولم يُفكك ذلكم بعد, الى جنوب لبنان: مكسر عصاكم ومشروعكم التوسعي دوماً لأن ارضه تحبل بالثوار و الشرفاء و الاحرار دوماً
::
وكي لا أقع في إنشائيات شعبي برهن انه بغنى عنها, سأكتفي بأن أؤكد بلسان شعبي الذي أموت الآن راضية و أنا على ذمة كرانته العالية و صموده الغالي "سننتصر حتماً, فلا يمكن ان لا يكون كل هذا الدم الا ثمناً للنصر الحقيقي" ا
تشظيات هذا "الآن" ا
تحكي "دولة اسرائيل" الآن عن سلاح ايراني يستخدمه حزب الله ويرد بعض القوالين عليها ويرددون كلامها القميئ
سوأل غير برئ بالمرة: هل فتح الحكام العرب مخازن اسلحتهم المهترئة التي يدفعون اثمانها بالمليارات سنوياً لتُستعرض في الاعياد الوطنية, لحزب الله و للبنان الشقيق يدافع عن وجوده و رفض الحزب او أهل لبنان؟
وأسلحة الصهاينة, ما هي؟ أليست أمريكية الصنع بامتياز؟
ارجوكم اسكتوا عن هذه ايضاً, نصاب بمغص شديد اذ نسمع مثل هذا التقيوء اللفظي هنا
يحكي "بوش" الناطق الرسمي بإسم الله على الارض عن "حق اسرائيل بالدفاع عن نفسها" ويضيف الغبي :ومن حق كل أمة ان تدافع عن نفسها
وما نحن يا وجه الكلب؟
ألسنا أمة يحق لها الدفاع عن نفسها؟
ولكنها الازدواجية التي رضي بها الحكام العرب يوم قدموا الولاءات و الطاعات للرب الامريكي و ركنوا شعوبهم و كرامتها الوطنية و الانسانية على رف ملئه الغبار و الصدأ والقيح (وهذه الشعوب نفسها تتحمل جزءٍ غير يسير مما حل بها من قمع و ترويض على الخنوع و (الذل
عن الحلف مع ايران
شرف لنا ان نتحالف مع قوة استطاعت الى القوة النووية والاقليمية و العالمية سبلها رغم الحصار الاقتصادي منذ العام 1979, وتساند مقاومتنا و صمودنا في احلك الاوقات, على الحلف مع الامريكان الذين يخونون حلفائهم عند اول ما يمس باسرائيل, ربيبتها في المنطقة و العالم.والدليل ما يحدث مع حلفائها اللبنانيين الذي خذلتهم بشدة اليوم
والاهم, ان الحلف السياسي الاستراتيجي مع سوريا (مع ألف تحفظ على عدم وجود مقاومة لا شعبية و لا نظامية في الجولان المحتل) يثبت اليوم انه حلف يمكن الاعتماد عليه اكثر من التدخلات الامريكية في بلادنا و التي تتحول الى جهة الصهاينة اول ما تُمس مصالحهم
الاخوة العرب
تفرحون لانتصار الجنوب وتظنون انه نصر سهل؟
افتحوا عيونكم جيداً و نظفوا ذاكرتكم: لقد كان ثمنه دماً كثيراً وشح وجودنا حتى أطلع النصر الغالي الذي لن نفرط فيه
الآن لا نريد دعمكم , لسنا فقراء المال, انتم فقراء العزة حين ترضون لحكوماتكم و حكامكم المتصهينين الراكعين على اعتاب الرب الامريكي الجديد ان يصادروا شرفكم و عزتكم
لا نريد منكم شيئاً, عودوا الى نومكم, لا ستعيدون بكل اموال الدنيا ونفطها عائلة هدى غالية, ولا ستجمع تأوهاتكم الصامتة بينكم و بين شاشات تلفازكم اشلاء اي من الشهداء الكثر المرشحين للتزايد في العدوان المتجدد على لبنان الآن
عودوا الى انشغالاتكم الاهم من الكرامة, لا نأسف للازعاج, نأسف لقلة شرفكم في زمن يصنع فيه دم الاطفال كل شرف الوجود
الشرعية الدولية
هل من يشرح لي معنى هذه المفردة؟
أسمع بها دوماً حين يقرب الامر لدولة اسرائيل ولا اجد لها تفسيراً حين يتعلق بنا
"الاعلام"
كونوا عيناً تنفتح الى اقصى حد لتروا كل شيءكل شيء: انتم الامناء على الحقيقة التي يمكنكم الوصول اليها
مناضلو العالم لأجل الحرية
أيها الاصدقاء: انتم الآن صرختنا اذ صوتنا مخنوق, وندري ان رحل صوتنا فلن ترحل حناجركم****لقد شهدتم وعرفتم وعليكم ان تقولوا الحقيقة كما عرفتموها بيننا : في بيوتنا وبين ناسنا و على وقع طيبتهم و قلوبهم الكبيرة و ايمانهم الفطري بحقهم في الكرامة
احكوا للعالم ,احكوا له ولا تدعوا الظلم يخنق صوتنا بعدما جرب طويلاً ان ينام على دمنا
انتم صوتنا, فليتسع للحق الذي تنطقون به كل الصدى
شعبي
يا شعبي يا بطل بفديك بعينيا
افكر بهذه الاغنية كلما اهتز بدني لقصف او غارة, وكلما بكت روحي لمشاهد الاشلاء البشرية التي قد أكون بعضها لاحقا: ًافكر انكم الناس الحقيقيين وحدكم, وانكم ما يستحق الموت لأجله و ان الارض التي تدوسونها تتقدس بصمودكم و عنادكم لذا تصير أغلى و اثمن في كل منا كفرد وفي وجودنا الجمعي كشعب واحد يصمد بكله ويتضامن بكله الآن أمام تهديد وجوده الحقيقي
وانتم كل الحكايا التي ربما لن تُحكى ابداً , ولكننا نعرفها .وجيلاً بعد جيل سنكبر عليها : احراراً صامدين اقوياءوسنصمد معاً او نموت معاً سنكون الآن او لا نكون ولكننا حتماً سنبقى شرفاءً اشداء على مبدأ :ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيّ
::
عروسة: كلمة عامية في الجنوب تقال عن السندويشة *
شكراً محمود درويش, واعذروا عدم توثيقي للقصيدة و الديوان اذ اكتب و صور تتعرض للقصف الآن**
من الاهزوجة الشعبية المنتشرة في فلسطين و جنوب لبنان "يويا"***
اغنية الفنان السوري سميح شقير "حناجركم"****