عن بركان لا يخمد

اليهم: شهداء مجزرة نادي الحولة في مخيم البرج الشمالي ال 108
لا نكتفي من تكرار نفس الوهم بالأمان الزائف, ونفس المجزرة: نختبئ في ملجأ و يقصفنا الحقد بالموت و النسيان
لذكراهم في 12-6-1982, ألف وردة تنبت من تراب الروح التي تحرثها البراكين


وبالأمس كان ضوء القلب شحيحاَ
النهار يوغل في رسم النهايات الأكيدة
وروحي تنوء خجلاً :كانوا هنا


كيف لم أكن أعرف عن المجزرة؟
كيف نامت عيوني عن أنينهم الذي طالعني على باب المخيم؟
وكيف لم يصلني من قبل الى سريري. او قبري القريب؟
هل الانين ايضاً يحتاج هوية زرقاء و تصريحاً للاجئين؟

::

وجنود الجيش الباسل يقفون على الحاجز
تفقئ عيني شوكات ارزاتهم
وأنزف الدم المختبئ في اغماد بنادقهم
يسألون عن الهويات, فأصاب بالبركان
ارميها له,طفل هذا المرمي الى شمس وتوقعات الغربان
ينظر لي وينظر في صورة المراهقة التي تحت الارزة
لا أظنه يرى الشبه
ولكنه يقول: لبنانية ما في مشكلة تفضلي

ولكن الوقوف بضيافة العلم اللبناني تطول بسبب صحبي ذوي الهويات المتعددة الالوان

يفور بداخلي البركان

اقود السيارة بطيئة
الحمم و اللهب يثقلانها

على حاجز "المنظمة" أحاول أن أمسك النيران برموشي
يقول لي بعد التفتيش الروتيني "تفضلي" بكسل
الشمس سببه؟ ام فقدان مسببات الشك؟
او لعله انعدام الفارق بين هذه الحياة و ما قد تأتي به المفاجآت؟

ألملم رائحة لحمي المحترق عن الهواء و احرك المقود

أمعن في اللهيب ولن أضيئ مثلهم

::

حين باغتتني دموعي, اشحت بملحها عن عين كاميرتهم ذات الدم الازرق
لاحقتني تقتنص لحظتي معهم

أنزلت نظاراتي الشمسية , وجاءني الصوت
"No , please keep it up"
عنادي الفطري يصمم, أنزلها وأصوب المكابرة إزاء الشفقة المحتملة
صرت حنظلة تصغر و تذوب في ثيابها
ولا من يستر عورة عاري

كانوا كثر
أكثر مما للطفلة التي كنتها آنذاك ان تعد
ولما كنت أكبر, كانوا يهيمون بالعويل هاهنا
فقط هنا
وانا كلما اتيت انشغل بالحكي و الضجيج
فلا اسمع نشيجهم

::

البركان يصطخب
موج من حمم يتخبط فيّ , وأسمعهم
كيف ذلك؟
هل حلت عليّ بهم نعمة سماع جديدة؟

ما من نبي بُشِر بالحاسة الواحدة العديدة
ما من رب رحيم وهب خلقه هذي القدرة القادرة

::

من الخالصة انا, هيها قريبة, وديني عليها, بيوجع الموت هانا_

ولكم اللوبيا مش كتير بعيدة, مشان الله وبعرض اخواتكو تاخدوني هناك*

أمانة يما تقولي لمحمد يدير بالو ع اخوانو, لازم يضلو ايد واحدة لنرجع نعمر دارنا بأم الفرج_

يلعن اخت المخيمات و اللي بيصدق وعود العرب, هاي متنا هون: انبسطت يابا؟ قال خايف ع عرض البنات! و ارضنا بترشيحا*
مش خايف ع عرضها لمن فتحوها بالدم؟

الاصوات تتوالى, وبركاني يثور
يكاد ينفجر فوق النصب الميت فوق اجسادهم الحية التي ينبض ضجيجها بالذاكرة الطازجة

اركض هاربة بدمعي و اللهب القتّال
في فعل غضب و قهر مني اولاً: أصفق البوابة المجنزرة بفعل التعود أو النسيان
وأغوص في الزواريب
أقطع حي "المغاربة", تلاحقني توصياتها: قولي لأخوي بردانة يجيب من حرامات الاعاشة و يغطيني

"أتجاوز سعسع, ورعده يفلح اذني" الا بدك تجوزيها ابن صفورية؟؟ هلقيت رح تموت معاهم
::

"تفلت مني زفرة تنين على اعتاب "الناعمة
أخاف احرق ما تبقى منهم, مني و من الوجود

أرمي بكل جهنمي في السيارة, وأنتظر لحاق "البيض" بي كمجنونة
الاصوات تصمني
والبركان يكاد يندلع من الشبابيك المقفلة و الابواب الموصدة بإحكام
يأتون مدهوشين, لا احكي شيئاً
لا شك أن تعابيري الصخرية اخرست حتى صوت تنفسهم




::

على حاجز المنظمة يودعوننا بالكسل ذاته
لا يدققان في الخروج كما في دخول المخيم
ولا يفتشون السيارة عما هربته معي من الداخل


أستعجل الانعتاق من المخيم
يجب ان اتفاهم سريعاً مع اصواتهم و فحيح براكيني
ومع هذا الله الذي لعنني بتكثيف حاسة ما سُئلت اساساً لو أريدها

سأمضي عن حاجز الجيش ثم ابدأ حفلة جنوني و الصراخ
تطلع بي السيارة على الطريق العام بعد حاجزهم

كيف لم يروا الحمل الفائض الذي عدت به من عندهم؟

أصلاً لن يروا
هم ما رأوا أصلاً
فهل سيرون الان؟

وسط ذهول من معي,اتوقف على جانب الطريق
طريق اخر ككل الطرقات التي بلا جوانب و بلا ملامح و بلا نهايات
وأحاول ان أصغي لما في رأسي


::


"لا شــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــئ"


لا شئ
لاشئ

لا شئ
صدقاً: لا شئ بالمرة

اكاد اجزم اني اسمع صفير الصمت و الفراغ

حتى البراكين انسحبت من أذنيّ

وتكاد رائحة دخانها تندثر من انفي كذلك

اخبط رأسي بالمقود: أين اصواتهم طيب؟

!!لا شئ؟؟
لا شىء حقاً؟

هل سُحبت مني تلك القدرة التي هبطت عليّ فجأة؟
هل صار الرب الذي اسبغها عليّ _كما الذاكرة المثابرة على النسيان الانتقائي_ رحيماً فجأة؟

أم ان للرب نفسه قوانين واجراءات وحواجز لا تسري خارج المخيمات؟
يا هذا الرب
يا الله

قد أحرقك انت ايضاً اذا ما انفجر مني البركان


::

أكمل في طريق لا أريدها تصل بي الا معهم الى حيث اوصتني الاصوات المتروكة, كحزن عيون اصحابها

افكر كم مرة سيكون علي ان اموت فيما لو لم أستحق ان احمل امانة تلك اللحظات البارقة من النبوة الغريبة

......ويعلوني البركان












شكراً محمود درويش على الاصابة بالبركان*
كل ما باللون الاحمر هو اسماء بعض قرى لاجئي مخيم البرج الشمالي الاصلية في شمال فلسطين المحتلة, وفي مخيمات اللاجئين في لبنان, يسمي الناس احيائهم بحسب اسماء قراهم الاصلية, ومخيم برج الشمالي فيه عائلات من 37 قرية فلسطينية هُجر اهلها في العام 1948,و بعض قراهم تم مسحها عن الخريطة. وقد نقل اللاجئون,_عبر الاجيال_ قصص العدوات و المصاهرات و الالقاب كما في فلسطين المحتلة بين قراهم, كما عاداتهم و تقاليدهم و كل خصائص حكيهم وطبخهم و لباسهم

هناك تعليقان (2):

darkrain يقول...

لنتذكر لنعمل لنواصل اعلم ان الباقون على الامل ممزوجا بالعمل قلة، ولكن لا سبيل لنا الا ان نعمل، او نموت قهرا، او ندفن احياءا في سيل الراكضين خلف العدم والدولار.
دمتِ بخير حتى اللقاء، اللقاء في فلسطين او في عالم المجهول، ولكن دمتِ بخير.

ملاك يقول...

darkrain:
دوماً بخير _بهذا القدر او ذاك_ اذ لا أنسى ما يضيء حقاً: كالدم و البلاد ومثل هذه الكلمات

**

لن أنسى ذرة من تراب فلسطين, أو حرفاً من حروفها, لا لأسباب نضالية ووطنية و تاريخية , بل لأسباب لا تزال سراً من أسرار هذا الكون كإخفاقات الحب الاول, كبكاء الأطفال الرضع عند الغروب

لقد رتبت حياتي وكتبي وسريري وحقائبي منذ الطفولة حتى الآن على هذا الاساس. فكيف أتخلى عن كل شيء مقابل لا شيء؟ثم أنني لم أغفر ضربة سوط من أجل الكونغو...فكيف من أجل فلسطين؟


**


الماغوط, محمد ," سأخون وطني"دار المدى, الطبعة الخامسة 2006, "ولكن الضفاف لا تجري", ص 112