إمام يا شيخ

بعض ما في هذه الكتابة قديم, كتبته ذات انتظار وتحرق لزيارة مصر, والايفاء بعهد قطعته على نفسي يخص الشيخ الجليل, وأحد من يعتبرونه إماماً في المغنى و الرفض والموسيقى و الموقف

فما الذي جلب كتابتي القديمة اليوم هنا؟ لأضيف عليها و ازيدها و اعدل قليلاً مما خرطشته فيها وقتها؟

محمد خير: شكراً ايها الجميل, لا فقط بسبب هذه الكتابة, ثمة أسباب سيأتي وقت حكيها عما قريب, على مسافة من حبر ورقص بالكلمات و انفجارات لا ترحم اعصابنا


::


القاعة الخارجية لنادي التضامن في صور: من هنا انطلقت بدايةً حركة القوميين العرب, ومن هنا تصدى الناس المقاومون للجيش اللبناني العظيم عام 1958, وانتصروا بارادتهم على البارود و الحديد

القاعة_ككل زاوية وخرم ابرة في النادي العتيق_تنغل بالناس: نحل في قفير, ولا ملكة
ثمة فقط ملك متوج بعود ونظارات سوداء وتاريخ طويل في الرفض و اللا

انا طفلة, هذا النادي يعني لها والدها الذي رحل منذ سنة و بضعة شهور, وليست تجد فيه ما يثير فيها اي شهية للاهتمام بأي شيء سوى ان تتنقل من زاوية لاخرى و تتذكر "بابا", وتحكي لاصدقائه و تبكيهم: هون بابا بيحب يشرب شاي, هون بيلعب طاولة, عمو : مش بابا دايماً كان يغلبك بالطاولة؟

شقية تفتح الجروح التي لم تندمل حتى اليوم في قلوب من عرفه و احبه
تجرني ايدٍ ما لأحمل باقة ورد و أقدمها للشيخ الضرير
أقف أمامه بالورود و طفولة تستعجل ان تكبر, يقبلني, وأمسح وجهي بيدي لأني لأ احب القبلات الشائكة: لم أستسغ شعور التشوك الذي احدثته بي الشعيرات النابتة في وجهه, على عكس كل ما رأيته من صور له في حياتي لاحقاً, اذ يبدو دوماً حليق الذقن و مرتباً بالقدر الملائم تماماً لمن يمثلهم, وهو قدر كبير و نظيف حقاً. نظيف بكل معنى الكلمة

يضحك و يسألني عن اسمي,فلا أرد محتجة على سحبي من مساحتي لاستجلاب ابي الذي اشتاقه كثيراً. يحكيه احد اصدقاء ابي شيئاً ما عني, فيقول: آآآآآآآه , العفريتة دي عينيها اللي بتحكي

::


ستكبر العفريتة وهي تذكر عن ذلك الشيخ الضرير تشوكها من ملمس ذقنه, وسينفرها ذلك منه زمناً غير قليل, رغم كل محاولات أمها ان تقربه اليها عبر الاغنية الاثيرة في البيت و السيارة و الاوقات انا أتوب عن حبك انا؟

ولكنها لن تغفر له عدم حلاقة ذقنه قبل ان تتعلم من ابجدية الرفض حرف الاغنية, فتعرفه إمامها الاحمر


::

"إفلت كلابك في الشوارع, وإقفل زنازينك علينا"
هي الاغنية التي ستحفظ كلماتها من المظاهرات الكثيرة التي شاركت فيها بكل زخم الروح المشتعلة غضباً و قناعة بأن
أقل الممكن الذي يمكن فعله هو ان تدوي "لا" في اسماع ووجوه كل من يريدون ان يصموا أعينهم و أسماعهم عن حقيقة ما يجري في هذا العالم
ستعرف لاحقاً ان هذه الاغنية التي صارت ارثاً اشتراكياً لكل يساري ومواطن في بلاد "اللا" هي اصلاً للشيخ امام عيسى, ذات الضرير الجليل الذي يحسدها الاصدقاء على انها تبركت بلقائه طفلة, وفي سرها ستقول: بس انا ما بحسد حالي انو دقنه شوكتني

ستبدأ في التعرف على المزيد من الاغاني و المواقف التي تحكيها كل اغنية, مع الوقت و العمر و التقدم في المواقف الشخصية والمبادئ, سيتكشف لها ان ثمة ثوابت في هذا العالم لم تتغير منذ وقت تلك الاغاني

من خيانات الحكام العرب, الى تخاذل الناس عن حريتهم وتقاعسهم عن التحرك لغياب قيادات ورؤى و مشاريع وطنية شاملة,الى المشاريع الامريكية التنفيذ و الامبريالية المنشأ المستمرة في حصد المزيد من الارواح و الاحلام,الى ثقل الطبقات المستفيدة من صمت الفقراء على ارواح اولئك الفقراء و مصادرة ارزاقهم "حبة حبة",الخ الخ
ستعرف الكثير عن الكثير, وتبقى جاهلة بالاكثر
وستتداخل تلك الموسيقى, وذلك الصوت و الكلمات الممزوجة بروح الفاجومي وسخرية نجيب سرور اللاذعة المرارة في صوغ ملامح شخصيتها الرافضة بصلابة

ستسمعه في التظاهرات, مع الرفاق في فواصل وقت غريبة بين اجتماعات و نشاطات, او في ساعات الاحباط التي يكسي الشوك فيها كل ما حولها, فيكسر صوته رؤوس الاشواك, وتشعر انها بعد قادرة على تحمل المزيد من الألم

ستخلو اليه في مساءات مع نفسها تريد ان تعرف فيها عن تاريخه مع رفيق الكلمة أحمد فؤاد نجم, وتريد ان تستقرئ كيف للاغاني انو تكون تأريخاً لمرحلة طمس التاريخ الرسمي الكثير من حقائقها التي تحكيها و تحاكيها مرارة هذه الاغاني

ستحبه, وتحب انها تستطيع ان تفهمه, وستحب مصر البهية اكثر معه وبه

مصر التي تمتد في ذاكرتها براحاً من الانفعالات التي لا تشبه الاها, تشتاقها, جداً تشتاقها
تشتاقها هذه المرة بتوحش من يريد ان يحقق رغبة اثيرة, ولو كانت اخر ما قد يقوم به في الحياة


لم الادعاء؟ ثمة الكثير مما تود ان تقوم به بنفس العزم ويستحق كلٌ من هذا الكثير ان تقول: عشت حيياتي اذ فعلت هذا: هذه الرغبة المتوحشة لتكون في مصر مرة بعد, ان تمشي ع شاطئ بحر حيفا مع صحبةً بمثابة أهل, ان يعبث لسانها بألف طعم و نكهة في مصنع للشكولاته, ان تصحو , ولو لصباح واحد,قرب حبيب تشكر الحياة انه شريك اللحظات الاثمن فيها,الخ الخ

ولكنها رغبة بمستوى حلم لمن عرفها بعد على الشيخ امام, وعلى الكثييييييييييير مما ستكون ممتنة له طول عمرها لأنه فتح لها ابواباً لمعرفته و معايشته و الانغماس به حد التذوت فيه, والاشتباك به حتى يصير نهج حياة و مسار ومصير شخصية تنحت في صخر "الواقعية" يومياً كي لا تفقدها امكانية الحلم, وكي لا تشفيها محاضرات "عيشي حياتك" من مرض الأمل المزمن الذي يستمر بالتراكم في داخلها, اقوى من الشوك, وأقل قدرة على مجاراة الشوق الدائم للبلاد, للجمال و لكل ما هو إنسان


::


أقود السيارة في الطريق نفسها التي شهدت رقص عيوني و روحي يومذاك, يوم سمعت صوته القريب البعيد في هاتفي ومعي أجمل المخلوقات, أجمل البنات "سارية و ناي", كدت أبكي فرحاً امامهما.
هذه طرقات الجنوب التي دمرها العدوان الصهيوني منذ قليل, قليل يبدو زمناً من الاحداث الهائلة الوقع في البنات, وفيّ,
كما في كل الاشياء و الناس و الاحداث
لن ابكي, هذا الفرح يليق به ردة فعل لانمطية وغير تقليدية بالمرة, سأضحك ضحكة منتصرة على كل هذا الحمق في
العالم, والظلم في العالم, والحدود و السدود في العالم.و سأوقف السيارة حين ينتهي وقت الحديث البخيل و اقبل البنات الحلوات , ولن تستغربا, تعرفان كم أحبهما. ولكنهما لن توفراني من غمز ولمز ذكي لماح حتى اليوم
اليوم اقود على نفس الطريق, لا مظاهر للدمار, الاضواء تفتح الطريق أمام عيوني, لا حدسي و ذاكرتي السيئة أصلاً, و لا ناي هنا و لا سارية, وهاتفي صامت و كقلبي, حزين

الشوك يتسلق يدي على المقود, وانا اريد ان انتصر على جروحه في روحي, انقلب على شعوري بالعجز, اقلب عليه اصراري ان لا انقاد لشعور الاستسلام, و اجعلني ابحث عن صوت يساعدني ان اغزو رؤوسه النابتة على جلدي

لا اشرطة للشيخ في السيارة, ولكن صوت زياد سحاب يوتوت "توت توت حاوي توت", فيتراجع مد الاشواك, و تسحبني الى مصر تلك الرغبة المتوحشة التي تقاتلني تريدني احققها له, ولي ولكل ما هو جميل و جدير بالتحدي عمراً لأجله

::

لم أسمع صوته بعد ذلك كثيراً, ولكن الكثير مما في و حولي يريد ان يعتقد ان صوته سيأتي بعد, أنه بكله سيأتي بعد, ماذا نقول للعناد التاريخي المتراكم فيّ؟
أصل الى نادي التضامن الذي ما أتعبني صعود درجه منذ فترة أطالتها الانشغالات و المواقف السياسية و القيمية. ازفر التعب من صدري و لا ارتاح
اقتعد زاوية بابا المفضلة, ثمة صديق قديم يراني من بعيد فيقبل مقبلاً اياي كما لو اني ما زلت بعد تلك الطفلة التي كبرت بين حجارة و احضان القصص التي عاشها و رعاها و رسخها فيها هذا النادي, يسألني عن الحال و اخبره ما يكفيه_وما يريد_ ان يعرفه, لماذا ازيده هماً بالحقيقة كما هي؟ يدمع صوته حين يذكر بابا: الله يرحمو , اللي خلف زيك عنجد ما بيموت

أذهب مباشرة بعد انتهائي مما تسلقت درج النادي و هامة الذكريات لأجله بإشتياقي و التعب الى قبر بابا, ابكي و اغني واصرخ واغضب و اقول له اني مثله, مللت الانتظار.
ولكن ما حيلتي يا غائبي الاخر, غائبي الأول, ولست الاخير؟


::

القبر الاخر هناك لا زال ينتظر تلك الزيارة _الوعد, وحيدة او برفقة من قد يقطع حدود النزق و المزاج و اللامبالاة الحقيقية ازاء هذا العالم-المزبلة
كما انا انتظر على قيد هذه الحياة الزاخرة بالتعب ان أعود لرحم بلاد احلم فيها, لا لشيء ذا قيمة كبيرة بنظر كثر, ولكن فقط لأني أريد ان أرتاح من عمريمضي في هذا الانتظار العقيم.

ويا إمام يا شيخي, اذا ما انتهى الانتظار, هل أسمع صوتك انت يهدل بالحنين الى زمن رفض يتقاطع و يتقطع مع زمن المراوحة في طرق تتغير ملامحها و لا يتغير مسارها الى حرية مرجوة: من احتلال و دمار و انتظار؟

أتغني للعفريتة التي بعيونها تحكي؟
أتغني لعاشق إياك هو الاخر ينتظر؟
أتغني للأم التي فهمت طفلتها المستعجلة الكبر متأخرة كفاية ما معنى "انا أملي في حبك هو الحب"؟
أتغني؟

غني يا إمام غني: الشوك في حلقي و على وجهي ويديي و لا أريده ان يصل الى قلبي

هناك تعليق واحد:

SALEEM يقول...

ما أجمل روحك يا ملاك
جميل جدا الربط بين وابدك و الشيخ من جهة، و المكان - النادي- من جهة أخرى.
سرد جذاب - متلك يعني - يشد القارئ إلى نهاية الرحلة..


سليم البيك