الطقس صحو

الطقس صحو اليوم: في صحو ايام الشتاء, تتقد ذاكرتي بصور من ذهبوا من يومياتي الى ما خلف الاحاديث, وخلف المدينة, او حتى خلف الحياة.واتملى في التفاصيل اليومية العادية في بيتنا و في بساطة الحديث مع ماما و البقاء في بيجاماتي طوال النهار الذي انظف فيه اسناني و اغسل وجهي بجذل لان بإمكاني فعلاً ان ابقى في البيت طول النهار. وفعلاً ابقى في البيت حتى ابدأ في كتابة هذه الكلمات , وأعتقد اني سأنام بعدها لأذهب الى عملي غداً.

الطقس صحو:فقرات البث المباشر ونشرات الاخبار تعج بالاعلام و الخطابات التي بامكانها ان تصيبني بجلطة قهر لحال البلد, وانا اريد ان انام بعد, ولكني اريد ايضاً ان اتشارك مع أمي صباحاً قلما عادت تسمح لنا به اوقات عملي و انشغالاتي, بينما هي لا تزال تتلقف مني كل كلمة كأنها الاولى في الحكي.

الطقس صحو:شربت ماما قهوتها, وانا شربت معها فرح اني لا زلت اذكر تبدلات مزاجها الصباحي اليومي. حكينا كثيراً, اشياء و اسماء و حوادث تشاركنا سحبها من الذاكرة التي تسقط هنا تفصيلاً و هناك حدثاً. "تسألت"* عليها كثيراً وضحكنا كثيراً, كأيام طفولتي ومراهقتي الصعبة عليها في بيتنا وعمرينا.

الطقس صحو: أقرأ الجرائد مع فنجان شاي واقلب محطات التلفزيون بملل واضح و اضج من جسدي المنتظم في دورة الانوثة الشهرية و اضيق من تقلب شهيتي بين المالح و الحامض والحلو.اطلب "كاتو" من ماما و نتشارك صنعه واكله ساخناً على وقع الحكي و ركضي الى الريموت كونترول كل قليل لاقلب الشاشة عن المشاهد المكرورة لتشييع القتيل الاخير, أشاهد فيديو كليب لمطربة سخيفة بحسب تقييم ماما, ولأسمع وخز قهرها مني: معقول انتي بتحضري هيك سخافات !وحين اريد ان اشاهد محاضرة لتشومسكي مثلاً تؤنبني ايضاً و تقول لي اني املأ رأسي بما سيصعب عليّ خيارات حياتي

الطقس صحو: اريد ان اخبرها اني اشتاق لقضاء هذا الوقت الخاص بنا معاً, اريد ان اقول لها كم كنت خائفة بالامس حين انحرف الباص عن الطريق و ضل قلبي يدق كطبل بلدي و اطرافي باردة كثلج صنين. اريد ان اقول لها اني ما اطمئنيت الا حين وصلت الى البيت و جلست قربها و اخبرتها بصوت يرتجف اني كدت اموت, واني خفت اكثر من خوفي حين تركنا صور وطائرات الموت تزوم فوق رؤوسنا و حياتنا وغدنا.
ولكني استمسك بصورة القوية التي عودتني عليها هي و ايامي و خياراتي االصعبة في الحياة. و احجم, كما احجمت هي عن ضمي, عن قول اي شيء, واكتفي فقط بابتسامة لا تفارق وجهي و منظري كسلى و دافئة في البيت, وبمزاج عالٍ للمزاح و التنكيت و الدلع المبستر بتلك الصورة القوية التي لا ادري كيف إلتصقت بي الى هذا الحد في السنوات الاخيرة.

الطقس صحو: ماما نائمة بعد الغذاء وانا اقرأ في أرشيف مدونات لا يتاح لي عادة ان آتي عليها بسبب الوقت ( شاكرة انا للاغتيال الاخير اذ اتاح لي يوماً من اللذات الصغيرة السعيدة), اليوم دور مدونة الشيخ الاحمر. أقرأه و افكر ان هذا الشاب من بلادي خفيف الدم و ثقيل وقع افكاره في الروح احياناً. تنكأ افكاره قلبي, وينزاح النبض عن وجوه خبئتها كي لا تجرحني بالذكرى مجدداً.

الطقس صحو: و "راشد" ليس موجوداً بيننا بعد, ما عاد موجوداً منذ فترة طويلة.

ست سنوات يا راشد, ياااااااااااااه كم خائن هذا العمر يا صديقي.
كيف نبشت القلب عنك كلمات حمراء لمن لا يعرفك و لا تعرفه؟
ما الذي ذكرني بك في هذا الصحو الغريب على اعتاب كانون؟
ادري اني لم اردك ان تمثل في ايامي, كي لا اتوجع باحساس الفقدان من جديد!
يا الله الذي احببتَه و احَبكَ يا راشد كم يوجع الاحساس بفقدانك من جديد, كم كان يوجع دوماً و لكني آثرت سلامة عقلي و روحي بأن انحيه و انحي ذكراك بعيداً على قيد كلمات غريبة تجلبها من ذاكرة عنيدة في احتفاظها بتفاصيل من مثلك.


الطقس صحو: لن تعود ابداً مثل هذه الكلمات

هه_ شو يا صبية لوين؟
هه(لا مبالاة مني و استكمال المشي في شارع ابوديب الطافح بالسيارات المحترفة فلكلور"الكزدورة" الاسبوعية كل سهرة جمعة و سبت في مدينتنا , التسلية الوحيدة خارج البيوت تلك الايام قبل افتتاح المقاهي و اختراع الانترنت) هه
هه_ يا صبية يا ام الاحمر
هه(علاقة الحب بيني و بين اللون الاحمرالنبيذي قديمة_الآن انا ملفوفة ببطانية نبيذية الدفء كذلك_ ومع ذلك لم ارد على اللطشة)هه
ه_طيب تأكدنا انو تقيلة ما بتتعني للتلطيش
(صوت سيارة تقف الى جانبي, وينزل منها)
ه_شو يا ست ملاك, بتردي علينا هلق؟

هه* هيدا انت؟
وامد يدي لاسلم عليه و لكنه يضع يده على صدره و يقول لي " الله يهديكي".
أخجل انا, ويتدارك هو الموقف بسوألي عن اختصاصي والامور بعد الانتقال الى بيروت و نتحدث قليلاً ثم نتفق على "كزدورة " قريبة بالجيب الجديد وحديث طويل لانه مستعجل ويريد العودة الى البيت.

الطقس صحو: كما لم يكن حين عرفت بموته في حادث سيارة في 12-12-1999.
انزلق الجيب الجديد وقضى فيه و هو في سنته الجامعية الاخيرة في اختصاص الهندسة.
ومات: ما الذي يعنيه الموت سوى لم يعد موجوداً بيننا؟
لم استطع القيام بواجب التعزية وقتها, ولم اقم به قط, فمن اعزي بك يا صديقي؟
في الجامعة بكينا كلنا , نحن الذين عرفناك منذ ايام المدرسة. احدنا قرأت القرآن على روحك, وانا وفراس** العلمانيين بكينا معاً وبصوت عالٍ,ولم يعزي احدٌ احداً: انت فقيدنا وصديقنا و حبيبنا كلنا, و انت حدادنا الجماعي الذي احترمنا رهبته, كل من منطلقه السياسي و الايديولوجي و الديني و الدنيوي! ااا

الطقس صحو: قابلت بعد 4 سنوات " نادر" ابن عمك, وهو ايضاً لا يسلم الآن. قلت له بعض كلمات مبتورة عن واجب العزاء الذي لا اعرف بعد القيام به. قال انه يتفهمني, ثم سألته : ليش انت و راشد بطلتو
تسلمو؟
رد بدهشة لجهلي: لأنو صرنا مع الحزب.( انت انضممت لحزب الله؟ لهذا السبب اعتبرتني ضالة حين
مددت لك يدي العادية التي كنت تحتويها في السلام الصادق دوماً بيننا, كما باقي الصبايا اللواتي كن يعجبن بطلتك و غزارة معلوماتك و لاءك العالية الرفض) تتت
واعاجله: وناصر؟ صار بالحزب او بعده شيوعي؟ ( ناصر اخ راشد)----ا
"ما بعرف و الله, هوي مسافر و ما عم بعرف كتير اخبارو"

نتودع على امل لقاء قريب, وادري انه لن يكون, فسواك يا راشد ما عاد يجمعنا الكثير, خاصة مع نظرة الصبية المحجبة المليئة بالاستغراب لمعرفة خطيبها سافرة مثلي


الطقس صحو: مظفر النواب في نادي التضامن,يلقي شعراً و نلقي الغمزات والهمسات على شربه للفودكا وهو على المنبر_ كان ذلك قبل ان يقرر الله ان يهديك و لا يهديني_ ثم نتراكض اليه لنحدثه و تبقى لي هذه الصورة اليتيمة معك للذكرى

الطقس صحو: ومع ذلك ينقطع الاتصال بشبكة الانترنت عندي كثيراً, تغضب ماما من الشخص المسؤول عن الاهتمام بصيانة آلات الخدمات الانترنتية لأن هاتفه مغلق و هي تحاول الاتصال به

الجهاز مفتوح على الكلمات وصوت ريم البنا تحكي للعالم عن اشياء تبكيني كما ذكراك
تأتي ماما لتحكيني, تجد الدموع حراقة على خدي. وقبل ان تسأل اسألها انا: ماما, بتتذكري راشد؟
لا تملك ان تداري دمعتها, تعطيني ورقة كلينكس امسح دموعي, وتأخذ واحدة لها ونحجم معاً _ كالعادة_عن الخوض في الموضوع

الطقس صحو: سأشتاق دوماً للنوم قليلاً بعد, سأضيق كل شهر بمزاج جسمي المفتوح على شهية لا تعرف ما يسكتها, وسأريد ان اقول لماما اشياء كثيرة اقصيها خلف صورة القوية التي صرت اتقنها حقاً, وسأتمنى ان اهرب من ذاكرتي المفخخة بالدموع و التفاصيل, وسأود ان لا تنكشني كلمات اخرى بالانفعالات المفرطة في هدم قناع القوية الهش الذي يغلفني واتغلف به لأواجه حساسيتي المفرطة تجاه العادي من الاشياء و الاحداث. وسأتمنى ان اعرف جواباً لسوألي :كيف إهتديت الى ان تموت على ذمة حزب الله و انت الذي كنت دوماً أحمراً يا راشد؟









ت*تسألت: كلمة عامية لبنانية تعني الغلاظة و سماكة الدم! وانا فسرت الماء بالماء بشرحي لمعنى الكلمة, أليس كذلك؟ عظيم هذع عي "السآلة" بعينها

ف**فراس لم يزل شيوعياً , هو في الخليج يعمل كبرجوازي صغير, ولكنه لم يزل مفعماً بالطيبة و الأمل في تغيير العالم.
علمت ان ناصر كان لم يزل شيوعياً كذلك قبل ان يسافر و يختفي من المدينة ويقل تواصله مع كل دائرته القديمة من المعارف و الرفاق.
يذكرني بما اود ان انساه حق أما راشد الذي ما عدت ادري ان كنت سأعرفه لو إلتقينا بعد فراق لو بقي حياً بسبب تبدل شكل الشباب اجمالاً بين مرحلة المراهقة و الرجولة, فقلة تذكره . ربما تتعمد الكثرة عدم تذكره, فخسرانه موجع حقاً: في المطر الذي كان يحب المشي تحته كنوع من تمرد آخر يضيفه الى سجل لاءاته, وفي الصحو الشتوي الذي يذكرني بما اود ان انساه حقاً

هناك 9 تعليقات:

أحمر يقول...

قرأت نصك هذا عدة مرات

أجمل من أن أجد تعليقا مناسبا، بس برضه لازم يعني أحكي

:)

ملاك يقول...

وبرضو لازم ارد يعني؟

أجمل من اني ارد بشي حكي او شكر سخيف ع عدم ايجادك لتعليق هوي انو اقلك بيعنيلي كتير انو حدا متلك ما يلاقي حكي قدام هيك نص


:)

أحمر يقول...

وأنا بيعنيني كتير إنك بتردي مع إنو ردي كان بدون ردّ.... إلخ
يعني فينا نضل نردّ هيك طول الليل، شو وراي؟

ملاك يقول...

شو وراك؟


والله بدك تشوف رفيق

بلكي في ورا كرسي الكمبيوتر وراك شي حيط؟ او بلكي عندك لاب توب و بتقعد ع التخت وقت تستعمله فبيكون وراك مخدة مثلا


يعني ليش عم تسألني انا؟

:]

ع فكرة, هالابتسامة اكتشفتها بالصدفة انا, حسيتها بتدل ع "ابتسامة عريضة" حقيقية .
حلوة ما هيك؟

المتشائل يقول...

الطقس صحو اليوم: وهاي احسن فرصه اقرا مدونتك يا ملاك
وشكلك زي النبيد العتيق عم بتصيري ازكى مع الوقت...

أحمر يقول...

شو وراي؟ والله ألله وكيلك لا وراي ولا وقدامي ولا قبلي ولا بعدي، يعني طحلب! والآن راح أعمل فنجان قهوة، وأولّع أول سيجارة لهذا اليوم، وأقرأ نصك الجديد

ملاك يقول...

المتشائل: يا عمي شو صايرة انا دالية بعناقيد نبيذ و عم بوزع و انا مش دارية؟

شكراً للسماوات انها تجلت عن الصحو حتى نشوفك

اشتقت احاكيك وبتمنى انك بخير



أحمر: ما بتقدر تتصور شو حلو اعرف انو مش بس امي بتدخن سيجارتها اليومية الاولى حد حكيي

بصحة"سيجارتك" رفيق

ملاك يقول...
أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
هاني يقول...

مرحبا

أكيد ما بتعرفيني متل ما أنا مش عارف ليه عم بكتب.

كنت عم بدور على نقد لكتابات إميل حبيبي وخصوصا (لكع بن لكع) اللي خلصتها قبل يومين، و إلا أنا قدام مدونتك (حبيبي خائن).

عجبتني كتير و بدأت أقرأ غيرها، حتى وصلت ل(الطقس حلو). عجبتني كتير الشظايا العاطفية و ذكرتني بأسلوب الشاعر المصري الكبير أمل دنقل في قصيدة (الجنوبي) اللي بحبها كتير.

على كل يا ملاك، أنا اسمي هاني، من الأردن والأصل فلسطيني. استمتعت بمدونتك و بتمنى تبقي تنشري، و بتمنى نصير أصدقاء فكريين.

بريدي هوي
hani_barqawi@hotmail.com

شكرا كمان مرة،
هاني