وبضل زي ما أنا

ككل صباح, أفتح عيناي على مخدة تشتاق لغفو حقيقي وأنظر في سقف الغرفة
لا ضوء الآن: لا في السماء و لا في غرفتي ولا من اي زاوية من زواية البيت. ااا
لم أعد أذكر الزمن الذي قررت فيه اني لا استطيع الى النوم سبيلاً لو كان ثمة ضوء_مهما خفت_ يصل الى نظر عيني. اا
واليوم عطلة, ومع ذلك استيقظ في موعد صحوي اليومي للذهاب الى عملي : الخامسة و النصف فجراً

أريد ان اعاود النوم, ولكن الكتاب الذي سهرت و بكيت فوق حروفه ليلة البارحة لم يزل يربض طازجاً بجوار سريري_كعادتي اليومية او الليلية_ و يتربص بي أن أكمل حكاياته المرة والعنيدة

الكتاب لفيليتسيا لانغر, المحامية "الاسرائيلية" التي تولت قضايا شائكة و مثيرة للجدل لفلسطينين في الارض المحتلة منذ تخرجها من جامعات الكيان الصهيوني حتى لحظة قررت العودة الى اوروبا لتعيش مع ذكريات حياة لها ان تفخر بها و نفخر نحن انها كانت بيننا, كفلسطينين و كباحثين عن حرية و كرامة الانسان اينما كان (مع اني قد اناقش مدى اتساق اخلاقيتها كمحامية عن حقوق الفلسطينين وهي تعيش في مستوطنة و تتحدث عن الصهاينة بصفتهم "نحن") اا

" ا " الغضب و الامل" وصفحات من الألم و الدموع و الوجع الذي يميد بالروح. اكتب ملاحظاتي تحت السطور و بينها وفي هوامش الكتاب.
حين اشتريته من معرض بيروت الدولي للكتاب من مؤسسة الدراسات الفلسطينية , صُعقت لثمنه الزهيد جداً "2 دولار في عرض خاص". وبدأت قراءته اول ما بدأت من المجوعة التي تمونت بها زاداً لقراءاتي لفترةالشهر اوالشهر و نصف المقبلين. منذ ليلتين و انا اقرأ و أبكي. و مع ذلك, مصرة على أن أنعجن بهذا الألم الاختياري
كلما دخل احد الى غرفتي و سألني: شو مالك ليش عم تبكي هيك؟
اجيبهم بأني أقرأ سيرة شعبي بعيون اخرى. وأعود الى المزيد من الوجع اللازم كي اتأكد اني لا زلت بخير و أن فلسطين لم تزل فيّ بخير و انها لا زالت حلمي الاغلى الذي يمتلك عليّ دموعي و خفق قلبي ورغبتي في أن اختصر النوم , ولو في يوم عطلة لأقوم أعرف عنها بعد و اكثر

يبداً ضوء النهار بالتمازج مع نور المصباح الصغير الانارة قربي. ادون ملاحظاتي الاخيرة في الصفحة التي وصلتها و أقوم أغسل وجهي من بقايا النوم القلق و الدموع المتجمدة تحت اجفاني و تلك التي رطبت بملوحتها رموشي هذا الصباح الغريب

كوب شاي سريع مع نعنع و لقمة لبنة يجب انا اكلها كي لا انهار سريعاً كما يؤشر جسدي الذي فقد من وزنه و حيويته الكثير في الاسبوعين المنصرمين. أعود بإفطاري الصغير الى غرفتي و الى سريري الذي يعدني الكتاب المغلق عليه بمزيد من الانفعالات. أحاول أن أمنع نفسي من الشروع بالقراءة قبل ان أُنهي أكلي.
أمنع نفسي بإصرار, ولكن ما الفائدة؟
أنغمس في أفكار أمارس فضيلتها _ او لعنتها المسلطة على روحي_ يومياً
ترى, ماذا يفعل باسل الآن؟
وهل بدأ العد الصباحي في السجن الذي ينزله سمير؟
هل حضرت منال الافطار للبنات؟
هل وصلت الكتب الاخيرة التي ارسلتها الى مكتبات السجون؟
متى سيرد عليّ الشخص المسؤول في مؤسسة الضمير بخصوص ماذا يمكنني ارساله للاسرى عبر البريد و ما تسمح به إدارات السجون؟
و كم قبراً سيتفتح هذا اليوم ليضم من لا يُسألون عن رغبتهم بالتحول الى صورة في إطار بشريط اسود كبير و دموع و حسرات تحيق بهم حتى ما بعد الموت؟

أوووووووووه


لا شك أني احد افضل من يمكنهم ان يخترعوا الاسباب الموجبة للنكد منذ الصباح في هذا العالم_
يقول لي ذلك اصدقاء يعرفونني من أيام الجامعة و المظاهرات و النشاطات ذات التوجهات الغريبة " بالمناسبة: هل تعرفون موميا ابو جمال؟ حسناً: لقد تظاهرت امام السفارة الامريكية ضد ظروف اعتقاله اللاإنسانية في سجون الولايات المتحدة الامريكية. هذا فعل نخبوي؟ بل هو في صميم نضالي للحرية و العدالة و كرامة الانسان." أأ

فبالنسبة لي, فأنا أمارس طقوس انتمائي الواجبة كي لا تهتز عرى ارتباطاتي بناس بلادي, والناس الذين اؤمن ان علي ان ارفع معهم و لأجلهم حمل السماء, فما من هرقل وحيد يستطيع ان يمنع سقوط كل تلك الحمول الهائلة على انسانيتنا لو تخلى كل منا و أدار قلبه و روحه و عينه و أراح كتفه فوق قبور و احلام الاخرين

حين إلتقيت إيلي منذ عشرة ايام بكيت حين تعانقنا.عادةً مسافر للعمل هو و انا اشتاقه و اشتاق براءة نقاشاتنا و مغامراتنا التي نحكي عنها الآن بصفتها اهم التجارب التي صقلت شخصياتنا و نبضنا العالق و المتعلق بكل ثقة بمبادئنا. لماذا بكيت؟ لا ادري, كنت بحاجة للبكاء, كنت اريد ان استعيد ذلك الشعور بأن بإمكاننا تغيير العالم متى اردنا فعلاً مع احد الذين شاركوني تلك اللحظات المبللة بخدق خراطيم قوى الدفاع المدني علينا و نحن نهتف "فلسطين عربية" او نشكر قوى الامن الداخلي او الجيش اللبناني _ما الفرق لا اعرف, ولا يهمني اصلاً_ بتحريف نشيد "تسلم يا عسكر لبنان يا حامي امريكا" على حمايتها سفارات الدول المساهمة و الداعمة لكسر شوكة اهلنا المنتفضين لكرامتهم في الضفة و غزة.

بعد جلسة حديث و اخبار, نظر اليّ ذلك الصديق القديم نظرة صرت اعرفها كإسمي" بعدك زي ما انتي!",والبعض يلحقها بسوأل: كيف قدرتي ما تتغيري؟

صحيح: كيف قدرت ان لا اتغير؟
قدرت ان لا اتغير ام هو قدري؟
لقد ولدت بقدر يتأرجح بين شاطئين و مقبرتين كبيرتين بمنزلة المجازر التي اودت بحياة من دُفنوا فيها لتنبت على ضفاف دمهم الأحلام العنيدة
كيف أشرح لإيلي و لكل من لم ازل اثير فيهم دهشة اني قادرة على ان لا أتغير و أن لا أستسلم لـ"واقعية" الحياة أني لا زلت قادرة على إجتراح الحلم؟
كيف أحكي بالكلمات عن الروح التي تحاول ان تصيغ عبر السنوات الخمس و العشرين التي مضت _بلا هناءة كاملة ولا سعادة تامة_ عن تكامل الانتماءات و ترابط القضايا التي تصنع مني ما اريد ان احمل وزره في كل غدٍ و سنة بعد تأتي؟


يا إيلي, ويا اصدقاء و يا رفاق, ويا كل الاسماء التي اعرفها و تلك التي لن اعرفها يوماً: لقد ولدت بقدرأريده بكل تحدٍ و ثقة عالية أن يكون فلسطينياً يتكثف فيه وجع العالم و نزف جراحاته من كل الجهات

شايي يبرد_كالعادة_ و لا أنهي لقمتي الضئيلة, يوجعني رأسي لأني اضيع وقتاً أحتاجه لأعرف بعد اكثر عن شعبي و اهلي الذين هناك, وراء الحدود, لأعي بالتالي كيف يمكنني ان افهمهم اكثر و كيف يمكنني ان اشبههم اكثر.
أريد ان اقول لنانا اليوم _نانا قريبتي في مجد الكروم_ أني صرت اعرف اكثر عن مصادرات الاراضي. و أريد ان اخبر وهاد اني اعرف اكثر عن تاريخ حركة رفض الخدمة في الجيش الصهيوني. وحين سأحكي مع رشا في المرة القادمة سأخبرها أني اريد ان نفعل شيئاً بخصوص تفعيل مبادرة "ناطرينكم" و اود ان نتعاون معاً في مسألة العمل على تأريخ الذاكرة الشفوية لشعبنا و توثيقها.

لا افعل ذلك لمجرد رغبتي في ان افعل شيئاً. يمكنني فعل الكثير من الاشياء بدل هذه, قد اصفف شعري و اقضي يومي اشاهد التلفزيون و اسمع اغاني المرحلة. ولكن هذهبالذات, هذه الصعبة و التي تتطلب قدراًً غير قليل و لا هين بالمرة من الصلابة و الاستقامة و الالتزام هي ما تمنحني الشعور المضئ اني انسانة حقاً , تستحق كل يوم اضافي في حياتها لأنه ببساطة مساحة أخرى لتثبت _مع من مثلي و هم ليسوا قلة بالمرة في هذا العالم_ اننا حقاً نستطيع ان نقوم بشيء , وشيء كثير, إزاء كل هذا المتفشي من الوجع و الظلم و العنف في عالمنا.

كيف لا زلت قادرة على ان لا اتغير؟
ببساطة:لأنهم لم يتغيروا كذلك!اهلي في فلسطين المحتلة "و لن ادعوهم عرب 48 بأي شكل كان, فهم فلسطينيون وهم الذين بقوا ليثبتوا حقنا في ان نكون معهم هناك, في قرانا و بيوتنا و بياراتنا و ما تبقى من حقولنا". أأ
و اهلي في مخيمات اللجوء الممتدة من الوطن المسلوب الى تخوم العنصرية في كل بلد شقيق في العروبة وفلسطين قضيته المركزية
واولئك العشرة الاف زهرة تصنع ربيعنا الآتي حتماً, والامهات الصابرات صمتاً في حداد و لاحياد مناديلهن التي تغار منها ريشات الحمائم.
واطفال شعبي: اولئك السمر ذوي الابتسامات الخفاقة بالفرح حين يجيبون بثقة عن بلدهم الاصلي: انا من ميعار, انا من
سعسع, انا من صفد, انا من صفورية.و انا من كوكبا, بس هاي الفلسطينية مش تبعتكم اللبنانية, عرفتيها؟

هم لم يتغيروا برغم الحصارات و التشردات و العذابات و الجنازات و المنافي التي تقاذفتهم طوال هذه السنين, فكيف اجيز لنفسي ان اتغير انا؟

سأخجل كثيراً يا للوس, سأخجل من حكيّ هذا الذي اكتبه ها هنا, وسأخجل اني لطالما قلت لشادي و محمد و صالح ان بإمكانهم ان يثبتوا اصالة فلسطنيتهم بغير السلاح لهذا العالم الذي يرفض ان يرى فيهم غير "ارهابيين". اا
صالح بالذات سأخجل منه لو تغيرت: قلت له في ذلك التموز الناري أن عليه ان يستحق كونه فلسطينياً و ان يرفض القالب الذي يضعه فيه الجندي مباشرة على حاجز عين الحلوة حين يراه كمصدر شغب و خطر خاصة بشعره الطويل و اوشامه العديدة
حين إلتقينا لاحقاً , كنت قد أفلحت في ان احضر له "كمشة تراب" من فلسطين هي كل ما طلبه مني كهدية لنجاحه في المدرسة ذلك العام. وهو أفلح في النجاح, وفي قص شعره و نجح في التصالح مع العديد من افراد اسرته لدرجة انه حين توفي جده شكرني بشكل خاص اني شجعته على التصالح معه و الا كان ليموت قهراً لو ان جده توفي و هو على خصام معه
ذكرني انذاك بكلامي عن صعوبة ان نمارس خياراتنا الكبيرة في الحياة, وقال لي "بس انتي بتقدري تعملي هيك, وانا بدي اعمل زيك" ا

وتلك مسؤولية, ويالها من مسؤولية! ا

لن اتغير يا ايلي ببساطة لأني ارى نماذجاً حقيقية لبطولات لا تبتغي ان تُبث انجازاتهم مباشرة على الفضاء, ولا يريدون ان يلهج احد بذكر فضلهم على قضية شعبنا و ارضنا ليل نهار. هم ببساطة يفعلون و يمارسون ايماناتهم و يمضون. منهم من يسجل لنا شهادة على ما عايشه كي نتعلم و نرى ان من مثلهم ليسوا من كوكب اخر سوى هذه الارض.
ارضنا بالذات التي أطلعت شعراً و دماً و رفضاً و صبراً, هي ذات الارض التي تُطلع الزغاريد والخبز و الانتصارات الصغيرة ,كلما رأيتها أقرب, اعرف اني "صح" اكثر و أمضي في درب صعبة من دموع و شوك و شوق لأنها ببساطة_إنسانيتنا_ تستحق منا ذلك

تستحق مني انسانيتي يا إيلي ان لا أتغير: بل توجب علي ان اتطور في هذا الاتجاه! ا

أعرفت الآن لماذا قلتها قبلك: "لا تقللي: ايه بعدني زي ما انا!"؟؟؟؟

وبضل يا رفيقي, لازم أضل مثل ما أنا لأنو بصراحة: ما بعرف أكون غير هيك

:)


هناك تعليق واحد:

Bakria يقول...

في لحظة ضياع, ضعف وتقوقع في علامة سؤال, أتساءل عن من هم هنا, الأطلال, الى أين؟

خليكي زي ما انتي, لانه حيفا بالرغم من كلشي بتضل زي ما هي. وانتي زي حيفا :) وشو اشتقت لحيفا ...