كتير حكي: عن ما يقصف العمر حقاً

يوم الحرب الخامس: صور محاطة بالقصف من سماء و بر و بحر

بالامس قصفوا معملاً للبلاستيك في قرية قريبة من المدينة, ورائحة الحرائق تفاعلت مع رطوبة تموز و حلكة الليل لتطيله اكثر, وام كاملات تجمعن في السماء يحيين "صبحية" على طريقتهم

على الارض كانت الامور مختلفة: ارهاق من السهر و من ردات فعل المحيطين, شخصياً احتاج النوم كثيراً لأني امضي يومي _اضافة للتعرض للقصف و القلق على البلد ومصير من احب_ وانا اهدئ روع فلانة و احاول ان افرفش مزاج علتان من الجيران والاصحاب و الاهل ممن نتمكن من التواصل معهم

الاصحاب على الشبكة العنكبوتية يمطرونني بالايميلات و الرسائل و محاولات الاتصال, وانا عندي قناعة لا ادري من اين استمديتها طوال ايام الحرب "رح نفسخ الصهاينة", اكتبها في كل منتدى و في كل ايميل لاصدقائي, وانا على يقين بأننا لن نهزم

ذلك الظهر, اكون مهدودة , اترك امي و اخوتي في الطوابق الاولى من بنايتنا و اتسلق الدرج الى طابقنا الخامس اريد ان انام, اكتب في منتدى مدن اني سأنام في البيت فيطلب مني كسار الزبادي "وهو اسم افتراضي طبعاً" ان لا ابقى في الطابق الخامس, ولكن من يلوي عنادي التاريخي؟
ارد عليه بمزاجي الذي يحاول ان يبقى على ضفة الامل, مهما لاح اليأس في كل ما حولي

زهقت يا كسار و صغرت روحي
اردت ان استغل بعض الهدوء لأنام قليلاً فطوال الليل لم أنم
وبصراحة: صغروا روحي الاولاد و النق و الاهل اللي عم بيخافوا ويتوقعوا و مدري شو وكلو حكي فاضي يعني
بيهبط المعنويات
قلت بجرب بلكي بقرأ شي مفيد وبجرب انام شوي
بالاخير القصة كلها انو اللي الو نصيب يعيش بيضل طيب ولو بسابع سما, واللي انتهى عمرو بيموت ولو بسابع ارض
تسلم صديقي ع اوامرك
بس اسمحلي اخالفك


::

افتح كتاباً قرب سريري من المجموعة التي اتيت بها معي من عمان, كنت متحمسة لقراءة الكمية الهائلة التي إستنزفت جيبي من روايات صنع الله ابراهيم ومحمد شكري
ولكني متعبة و اريد راحة من غيمة (مع ان الغيم لو هل في سماءنا يومها لجلب لنا الخراب), فأقرر بحزم: سأنام

ارمي الكتاب و احاول الغفو رغم الحر, وحدي في البيت و الطيران يحوم في السماء التي لا يحميني من ما قد تهل علي منها سوى طابقين يعلوان بيتنا و البرج الملاصق للغرفة التي انام فيها, والذي اذا ما ضرب فأنه سينهي حياتي بأصغر شظية تأتيني منه

افكر بتهديدات الصهاينة و بالمناشير التي رموها علينا ذلك الصباح


الى السكان اللبنانيين

اثر الاعمال الارهابية المستمرة لحزب الله المُطلق العنان و التي تمس بالجهود الرامية لإيجاد مستقبل أفضل للبنان يعمل جيش الدفاع الاسرائيلي للفترة التي يراها ضرورية بغية الدفاع عن مواطني دولة اسرائيل
من اجل سلامتكم و لرغبتنا بمع الحاق الاذى بالمدنيين غير المتورطين , عليكم الامتناع من التواجد بالامكان التي يتواجد فيها و يعمل منها حزب الله
عليكم ان تعلموا ان استمرار الاعمال الارهابية ضد دولة اسرائيل يعتبر سيف ذو حدين بالنسبة لكم و بالنسبة للبنان
دولة اسرائيل


متعبة و دماغي فعلاً غير صاحٍ للتفكير بأي شيء سوى بإلحاح جسمي انه يريد ولو ثوانٍ من الراحة, اسلم نفسي للنوم و ببالي فكرة واحدة: اللي مكتوب لو عمر ما بتقلته شدة

اغفو بنهم: الايام الماضية كانت صعبة و متعبة و عصيبة,وعلى صعيد شخصي, ذقت مراراً في ما اعتبرته صداقة اكتشفت في عز الحرب و امام احتمالات الموت و الحياة انها كانت هراءً بهراء

عما قليل, أستيقظ على حركة اخي علي, يكون القليل كثيراً: اكون قد غفوت حوالي الساعتين. اسأله: في شي؟
ويقول لي "نامي, بس عم بدورلك المكيف عشان اجت الكهربا" اطلب منه ماءً ويسقيني بحب, اسأله عن ماما و غسان يقول لي ان ماما مع الجيران و غسان يشاهد التلفزيون
اقول له: منيح, شكلهم مروقينها علينا اليوم ثم اعود للنوم

::

ارى علي و غسان من عل! يصرخان بي بجنون, يلا لتحت يلا
الصوت الهائل الذي قذفتني قوته الى ما فوق السرير ظننته لبنايتنا او البرج الملاصق لها
اركض سريعا: احمل شنطتي التي جهزتها قبل ليلة, فيها كل ما قد احتاجه (هكذا ظننت) و ابحث عن نظارتي, لا ارى جيداً لأني بدونها و لأن ثمة عاصفة من غبار ابيض ملئت بيتنا و شعرنا و عيوننا

يجد علي نظارتي, يعطيني اياها و هو يدفعني: , يللا اركضي لتحت
مش نازلة بدونكم, يللا_

ننزل الدرجات معاً, قلب و احد و اخوة في مصير واحد, كما في حياة واحدة في كثير من تفاصيلها.
نجد ماما شبه منهارة على درجات الطابق الاول, تظن القصف اعلى بنياتنا و هي الوحيدة التي كل ابنائها في العلالي, نهزها جميعاً اننا بخير, وتداهمنا اصوات سيارات الاسعاف و العويل الذي عبئ الشوارع كما الغبار و شظايا الردم

انزل الى الشارع مسرعة,ارى العجائب من كل صوب: امسك هاتفي و ابدأ بالاتصال بصديقي الذي يعمل في الجزيرة اخبره بما حدث, يصرخ بي ان اهدأ و ان احتمي مما قد يضرني, اكون اصف له ما ارى بهستيريا

يمسكني ابن جيراننا و يجلسني على الرصيف و يقول لي :يا ملاك اهدي
لا انتبه اني "عم بنطنط بأرضي" مدينتي مرتدية بياض الغبار المسحوق و رائحة الدم الطازج و صراخ الرعب المندلع من حناجر و عيون الهاربين من موقع المجزرة الذي لا يبعد كثيراً عن بيتي

شارعان فقط: وبينهما عالمين كاملين من التفاصيل, هنا امي و رائحة اخوتي لم تزل في الزوايا, وهناك اختلطت الصور بالروائح بالموت

كيف لا انطنط صدمة؟

::

ذلك الليل كان اطول من كل ليل اخر عشته: الطيران يعرش على الهواء, لا كهرباء, لا اضاءة _ولا حتى ضوء شمعة_بتعميم من البلدية, ولا نفس يعلو فوق انفاس الترقب و القلق

كنا نتناقل اسماء الشهداء و نبكي بصمت, كلنا في عيونه و قلبه سوأل: ونحن؟ متى دورنا؟

الصغار يريدون ان يفهموا, اسئلتهم تزيد الجميع كرباً,فأقرر ان اخذهم الى غرفة في بيت جيراننا الذي سنبات جميعاً ليلتنا فيه (نبات؟ اي بيات يا مخبولة يا انا ؟هل جننتي؟) احكي لهم قصصاً و الاعبهم و نصخب ببعض ضحك اتفاعل معهم فيه حتى اخر الروح, من يدري متى سنفرح بعد؟ او هل سيكون من متسع لفرح ما؟

بعد قليل, اشعر بحكاك مزعج بسبب الغبار الذي يتعشق خلاياي
ابلغ ماما : طالعة اتحمم
يجن غسان وعلي يرجف: يا مشحرة نحنا بشو و انتي بشو؟
بتحمم و بجيب مي و بطاريات و مخدات, كيف بدنا ننام؟_

غسان يقول انه سيأتي معي, في النهاية كلنا نطلع الى بيتنا معاً, امي تصدم للمنظر, بيتنا كأنه شاب فجأة
كل شيء ابيض ابيض, كأنما صار مساحة من ضوء
اتركهم لما فيهم و اتحرك سريعاً باتجاه الحمام, المياة بااااااااااااردة, ولكني متسخة حقاً, وليس من وقت لترف عالٍ من نوعية ماء ساخن , ولو قليلاً كي لا تتجمد خلايا رأسي

يحضرون اغراض النوم, و الماء و الخبز و المأكولات التي لا يضرها ان لم تبرد (جبنة و مرتديلا و بسكوت)وهذا لو تعلمون امر عظيم مقارنة بايام ستأتي علينا لاحقاً

وغسان يستعجلني, وانا اقوم بما لا يمكن لعقل ان يتصوره في تلك اللحظة: اعتني بكامل تفاصيل انوثتي في الدقائق العجيبة تلك

انزع الشعر عن جسمي, اختار ملابساً داخلية احبها, استعمل عطري المفضل, واقرر اي ثياب مريحة و مرتبة سألبسها حتى في نومي
الجميع يستعجلني : يا مجنونة يللا

طوال الحرب وما بعدها كنت افكر بأني لا اريد ان اموت بشعة وغير مرتبة, عشت حياتي سراً و علناً على غير ذلك,فكيف اموت اقل ترتيباً و اناقة ؟ اذا مت: لا اريد ان تصور الكميرات ما لم اكنه يوماً بداعي التعجل, ففي النهاية: اللي مكتوبلو عمر ما بتقتله شدة

طبعاً الفكرة سخيفة, اذا مع نوعيات الاسلحة التي جُربت بنا, قد اختفي و تبقى ملابسي مثلاً كما حدث في عدة مجازر, او قد تطرش اشلاء لحمي كل ما حولي حين تنفرم, او يمكن ان اتفحم ببساطة

ولكنها نعمة_او لعنة_ الامل العنيد في حياة تبدو اقرب الى نهايتها مع صوت كل غارة تتجدد

تلك الليلة, ووسط احاديث الترقب و الانخبال مما يحدث حولنا حقاً, تحدث السيد حسن مجدداً,سمعناه عبر الراديو ابو بطاريات وكبر قلبنا رغم كل الألم الذي يغذي نبضه كالدم حين قال ان الصهاينة لن يكونو بمأمن و ان حيفا ستضرب و انهم سيذوقون مراً لطالما تجرعناه حتى اعتدنا العلقم و بات الحلو غريباً في دمنا و حياتنا

بعد كلامه استلقيت جنب علي على فرشة حشرناها لتسع تعبنا و ترقبنا للاتي, ادار وجهه و رأيت ما هالني: شعره يملأ ظهر بلوزته البيضاء, كان اخي مرعوباً ويكابر

فمنذ بداية الحرب قررنا اننا لن نترك بيتنا ولو متنا فيه, ولكن تلك الليلة اظهرت ان علياً هو حلقة قلبنا الاضعف, واننا قد نغامر بحياته مقصوفاً بالرعب اكثر من الموت الحقيقي لو بقينا في صور

اتت ماما الينا, غسان مع ابن الجيران على البلكونة يراقبون اللاشيء, فماذا يُرى أصلاً في هذا العتم الممتد حد الصدى؟

تعلقنا بأمنا: ماما, هيك كان ب 82؟اسألها و تقول لا, هيك ما عشنا و لا شفنا قبل
اسكت و اسمع لنبض قلبها و اشد نفسي اليها, تداعب شعر علي و تخيفها سماكة طبقة القشرة التي تجمعت على فروة رأسه,ولأخي حكاية طويلة مع القشرة التي تنبت في رأسه بمجرد ان يخاف او يجفل من شيء ما

نسكت معاً و نصغي لكل شيء, اغفو انا قليلاً, وتعدل ماما من وضعية رأسي, ولكني اسمع جارتنا تناديها بعد قليل, فتنسحب اليها ولكن علي يعترضها, يمسك برجليها حين تقف و يقول لها: ماما دخيل اجريكي لا تخلينا هون
اشق عيني خائفة من مبلغ خوفه, ألمح عيناها تلمعان ايضاً بالخوف

ياااااه كم نحن آدميون في خوفنا الفطري على الحياة

::

اضم علي الي و لا احكيه,وسندعي النوم. غسان سيأتي في وقت ما من الليل و يغفو بجوارنا, وحين يطلع الضوء سأقوم الى البلكونة: لا احد نائم حقاًو لكن التعب ابتلع اي قدرة على فتح العيون عند الاشخاص الخمسين الذين باتوا ليلتهم في تلك الشقة التي طفحتبنا حتى اخرها

تلحق بي جارتنا التي كل اهلها في قرية "طير حرفا" الواقعة مباشرة على اللسان الصخري الذي يسور البحر في منطقة جنوب صور وصولاً الى الناقورة
تسألني: شو رأيك رح يصير؟
اهز كتفي: ما عندي اي فكرة, منموت ؟ منضل؟ مش مهم: المهم عندي انو السيد حسن ما بيكذب لما يوعد انو يوجعهم, وهالمرة هني كمان عم ياكلو عصي, يعين ع الاقل لو متت بعرف انو دمي مش ببلاش

تحوقل و تضرب كفاً بكف: هي تحب السيد و نثق به كذلك, ولكنها بلا شك ادمية مثلي ومثل امي و اخوتي تماماً, تخاف على من لها, وعلى حياتها

امازحها: مش دايماص بينحكى قديش حلو نعيش يوم بيوم! هيانا عم نعيش لحظة بلحظة ف:فرفشي! هيك كل ثانية بيصير لها قيمة
تضمني و تدعو للجميع بالسلامة, ثم تباغتني: شو حلوة ريحة شعرك

اضحك فخورة بإنجازي الصغير المجنون: تحممت مبارح و نظفت حالي, وتضحك معي: برافو عليكي

هذه الضحكة المجترحة من قلب القلق كنز, وهذه شمس تضيء حقاً
يتبع, يجب ان يتبع











هناك تعليق واحد:

Bakria يقول...

يقشعر بدني لقراءة مذكراتك عن الحرب.
ويبهرني عزمك على ان من وراء كل حبة غبار هنالك أمل ونصر.

في انتظار المزيد عن صيف مضى