وحيفا تظل تتقدم

والان: اضع البحر ورائي, ووراء البحر حيفا, ومع ذلك تظل أمامي

بيني و بينهما حكايات: الطفولة التي تتعلم ان تكبر لأجل ما وراء البحر, وتكبر و يكبر في صدرها البحر, وحيفاها تظل على حالها: فجة كذاكرة جدتها, قريبة كدمعة الحنين,وفواحة بالخير كالقبلات السمراء على خديها_الرمان

يا تيتا: هذا وداع برسم لقاء قريب على الضفة الاخرى, ضفة القلب الأولى و ضفة الروح التي تعاند القدر المنساق وراء هبله المديد

طفلتك الصغيرة, مدللة قلبك و حبيبة روحك الان كبرت قليلاً, قليلاً فقط عما كانته حتى ذلك الرحيل الذي لا يزال صعباً عليها, ما كبر فيها كثيراً هو "حيفا" يا تيتا "حِيفا" بالحاء مكسورةً كما تلفظينها انتِ, لا مفتوحةً كما تُحكى في هذي البلاد

حِيفا يا تيتا: لي من بحرها رمل ناعم كمنديل حدادك الذي ما كسر هيبته الوقت, فاتح كشيبة وقارك الذي ما هزته المصائب, حِيفا تتقدمني, تسبقني و تعلوني يا تيتا, واينما توجهت ويممت شطر وجهي وقلبي, تظل هي كل جهاتي

رملها يترك لي من بين ذراته كل الاحتمالات لصنع صورة بحرها و ملح موجها في قلبي كما اريد,كما اشتهي ان يكون من حكياتك و الصور البخيلة التي تمن بها علي التكنولوجيا و بضعة اصدقاء يرون في حيفا بقية ملامح وجهي

والحجران اياهما: ياه ياه يا تيتا, ارى صور "بيِتنا" ولا أراه, في البال ارسم تفاصيل المطبخ الذي جلبوا لنا بلاطة من ارضه, وصينية البلح التي تشتاقها عمتو. اؤثث الغرف بأناقة و نظافة اشبهك فيها, افرش شراشفاً بيضاء هفهافة فوق الطاولات و انشر على الحبال فساتيناً تفتتح الاحلام بثنياتها يعبأها الهواء بحركات مُتخيلة لأجساد قد لن تكون لتلبسها على الوعد

واقول لي: سنأتي بكم جميعاً, ولو ذر ما يتبقى من اللحم و الدم والعظم حين يعود الانسان الى التراب,و سأربي فوق قبرك في حيفا شجرة"فتنة",وهذه ايضاً احبها مثلك يا تيتا

وستكون منازلكم الاخيرة فتنة للنظر, كما للروح, ستكون مشهداً مكملاً لجمال حيفا, وسأذهب اليكم كل صباح بفاكهة الموسم واخر الاخبار و الكتاب الذي يغفو على مخدتي و يصحو معي لنفتح للعالم شباك حيفا فتطل عليه الشمس, ونبتسم ايذاناً ليوم جديد:صباح الخير يا وطني

::


الاسبوع الماضي حلمت بكِ مرتين, وكنتِ تفرطين لي رماناً احمراً كالدم, واخبرته عن المرتين, سألني اذا ما كان نفس الحلم, وقلت له انهما حلمين لنومي ليلتين مختلفتين

في الليلة الاولى, حلمت بالطفلة التي كنتها ذلك الصيف الاخير: اجلس قربك على الارض, تضعين الرمان في السلة الصفراء التي اتربع حولها, و"انقود" ما ترميه لي يديكِ من خير وانهب كلمات حكاياتك نهباً, وانتِ تحكين لي شيئاً لا اذكره ولكننا نضحك, والضحكة اذكرها الآن طازجة و رقراقة كعينيكِ حين تغرورقان بدمع تدارينه


في الحلم الثاني, كنت كما انا الان, بشعري الطويل, وسمرتي الصيفية وبفستان ابيض وعليه ورود صغيرة كما كنتِ تحبين, وكنتِ انتِ كما في اخر صورك في قلبي: بمنديلك الابيض المرخي بقلة اهتمام بترتيبه , وبكامل بهاء العمر الذي عبر في التجارب و المحكات ليكللك بكل تلك الحكمة

كنت اتدلل عليكِِ يا تيتا, كنا على شرفتنا المطلة على حيفا, ولكنها ما كانت بعيدة, كانت اقرب من موج البحر الينا, وكنتِ تطعميني الرمان بيديكِ انتِ: العروق الخضراء نافرة قرب اصابعك, وتجعيدات وجهك تغريني بقبلات كثيرة كنت ازرعها في طيات جلدك الاسمر الجليل بكامل الفرح الذي في قلبي

لو كنتِ لا زلتِ هنا: هل كنتِ لتفخري بي؟
الصبية التي صرتها وتشبهك وتشبه بابا بعض الشيء, لي قوة الروح و روح القوة التي لكما, يقولون في صور اني مثله و يفاجئني عبارة"الله يرحم والدك" حين لا اتوقعها, اظن ان الناس نسوا, فقد ذهب اليكِ وحدكِ و تركنا في كل هذا الاشتياق وحدنا بدونه

لهذا الحد كان يحبك يا تيتا, وانا احبك, احب حيفا التي عرفتها معك و فيكِ, و أعّد خطى العودة اليها معكما
وسنعود, سنعودها حبيبتك وحبيبتي "حِيفا", يا حبيبة قلبي يا تيتا
::

واعرف, اعرف سلفاً اني لن اشتاق شيئاً بقدر ما سأشتاق الى هذا المنظر المحفور في القلب :جلسة حب على حافة الحوض المتروك قبراً للراحل القادم اليكم, اخبركما انتِ و بابا _ودون اي كلمة_كل ما في قلبي وعقلي و روحي و في ثنايا الغضب و في زاوية الضحكات , ورائنا آثار صور و التاريخ يميد بالمدينة عالية حد السماء, ومن أمامنا البحر و البحر ورائه حِيفا, حيفانا يا تيتا

وبرغم الغياب عن النظر, و كل الاشتياق العالي الذي من الآن ابتدأ, تظل حيفا تتقدمني, وتتقدم الينا و بي نحوكم , وتطلع من ختمة الحكاية جديدة كأنما ما مر عليها لا الحكي ولا اي نظر, شهية كرمانة تنفرط في يدك السمراء الخيرة يا تيتا,و مديدة واسعة رحبة اكثر من بحر



هناك تعليقان (2):

أُمنية يقول...

والذاكرة تفضح.
تفضح ما حفرته الايدي من محاولات في أرض النسيان .
تفضح ما حدده العقل للقلب من مساحة للعشق .
وحدها الذاكرة تفضح.

تفضح حكايات الاحتلال.
احتلال قدم لأرض.
احتلال يد لقلب.
احتلال أمنية لحلم.

صباحك.

عبدالله النديم يقول...

وحيفا من هنا بدأت