حدث في مثل هذا اليوم
صباح الاماني الطيبة
يرافق صوت ريما خشيش صباحي بمواويل و تراثيات تقتص من قلبي بالحنين و تقاصصه بذكريات لها وقع الفرح الاكثر بذخاً في الروح,ولها طعم الذكريات الاشهى و الاكثر مرارة معاً.
صباح اخر في مدينة اخرى بإيقاعات حياة_حياة حقيقة حقاً_صباح له في ذاكرة كميرتي صور و لا احلى, وله في روحي دعس الخطى التي ادمت قلبي برحيلها الى ما هو ابعد مني, من فهمي و استيعابي لاسباب غياب موسيقاها من حياتي.
وبلى: لم يزل الالم عميقاً كالحب. و لم يزل الجرح ممكناً كالسماح. والهجر كذلك ما زال ممكناً كالتجاهل. و هذه اللعبة التي دوختني و خسّرتني عمري ما زالت مستمرة كأنفاسي التي تضيق كلما عّنت بالبال لحظات عالية الفرادة و غير قابلة للتكرار كما ذلك الصباح الممهمور بموسيقى لا زالت لها في الاذن و الروح رنة.
لذلك الصباح الذي ما عاد ممكناً ولا قابلاً للتكرار او حتى التذكر عند من صنع معي و لي معانيه الفذة تحية موسيقى و بوح قليل و بخيل لما يثقل الروح.
لصاحب الصباحات كلها, وليالي الدموع الذي صار عصياً على الأمل" صباحك ما انت": موسيقى عود وصمت يحز في جروح القلب المثخن بالذاكرة
كن طيباً ليكون عمري ما اردته له ان يكون
يعيش القلب, يعيش القلب
يعيش القلب
ليس لأنه تعلم الدرس من شاعر خذلته شرايينه ذات رهان
ولا لأنه خارق وبطل و جبار
يعيش القلب لأنه محكوم بالحياة
يعيش لأن لا خيار له سوى الحياة حد العشق
يعيش لأن كل يوم هو احتفال جديد بأن قيد الحياة لم يزل_على كلبيته المعتادة_ ممكناً
يعيش لأنه ظل حياً بعد موت نبضه ذات حب
::
هكذا الاشياء تصير: ندخل في غمامة من اللالون
نظننا انتهينا, والقطن الذي يحشون به اذني الميت نظنه صار في روحنا
ويلف ابيض الكفن نظرنا
و تغشي لزوجة الدموع عيوننا
ومع ذلك: لا نموت
يموت حب ما
يموت شيء ما
ينكسر فينا عرق_لا عساه الرفض_
يطق فينا شريان _عساه القهر_
ولا نموت
ويعيش القلب
::
يعيش القلب
يعيش ملء اللحظات الاتية
فكلها احتفالات
احتفالات باحتفالات
بأن الابتسام بعد ممكن
وان الفرح بعد ممكن
وان الدلال ممكن
وان العشق ممكن
وان الحزن النبيل ايضاً ممكن
::
يعيش القلب
يعيش في فئ عينين تعيدان له الثقة بأن هذا العيش طافح بما يستحق الحياة لاجله
يعيش في رائحة جسد يتضوع بألف ألف ريح و نسمة ليقول له احبك بألف ألف طريقة
يعيش في قبلة تعدل بحقيقيتها مزاج الكرة الارضية و درجة حرارتها حد الطفولة
يعيش في لمسة تباغته بالأمان الذي ينتظره على بعد قرار بالمغامرة مرة اخرى بعد
::
يعيش القلب
يعيش لأن شيئاً مما لم يحدث بعد
او كل ما لم يحدث بعد
ما زال احتمالاً
ما زال قابلاً للحدوث:
شاي الصباح على اهبة الصحو في سرير ضاج بشقاوات الليلة الماضية
غنج الجسد بعد حمام قصير ومريح في حضن مشتاق
وقت طويل يبعثره في اختيار الفستان الاكثر اثارةً
واغداق الكحل الاكثر قتامة وغموضاً
وتوقع النظرة الاكثر دهشةً و انبهاراً
::
يعيش القلب
يعيش فرحاً بأن موعده مع الحياة لم يُخلف حقاً
تأخر قبلاً
وقد يكون هذا موعداً مخاتلاً ايضاً
ولكن القلب يعيش بملء الثقة و التصميم و العناد
يعيش بملء الاصرار على ان يتنزع متعة الموت اخضراً في قلب اليباس
::
وأعيش
أعيش ملء ايامي
ذكرياتي كلها: اجملها و اكثرها ايلاما ًو استدراراً للدموع و الضحكات
أعيش: قلبي لا على شيء سواي
فرحي لا بشيء سواه
وجودي ليس الا احتفال مستمر و طويل و صاخب وجميل بأني لم أمت برغم كل شيء
لا دمع اذابني
لا خيانات كسرتني
ولا كذب هدني
أعيش لاخر التفاصيل
اعيشها كلها التفاصيل
بفرح طفولي مترع بالبراءة كأنه اول مرة يُحس
بصبر صوان قُد من عنادلم تذلله الايام
وبضحكة زاد اتساعها مع الوقت حتى غدت عالماً بذاتها وهوية
::
أعيش: ملء قلبي اعيش
ملء روحي
وحين في زاوية عيني يندفع دمع
أغني ملء صوتي
أرقص ملء جسدي
أنتشي ملء الصور و العيون والحواس
فلا بيدقاُ كش ملكي
ولا سواداً غيّم على نصاعة روحي
ولا موت قتل قلبي
::
يموت القلب؟
يموت القهر
يموت الحزن
يموت اليأس
يموت كل الكون
وأعيش أنا
ويعيش القلب
عبث
اكتشف يوميا عبثية الاشياء, فلا قيم و لا مبادئ و لا مثل يميت المرء نفسه ليحافظ على تطبيقها في حياته عادت مجدية بحسب تجربتي
فليكن ما هو كائن, ايميلي او سواها, كم يمكن ان تتغير الاسماء و النتيجة واحدة؟
لقد كنت ايميلي كذلك _بفارق الوصف من بلور و ضي الى عينين كحلاوين وضحكة تعانق العالم _ في لحظة قمر او عطش, ما هم: في النهاية خسرت كل شيء, حتى وهم الذكرى
لا داعي لحرب و لا لبطاقات حضور مبارزة جبابرة _واي فخر ان يحولنا الجرح جبابرة في حزننا؟_ولا لأي شئ, فأي شيء لن يتغير: تلعب لعبة الروليت الروسية بكامل عتاد مبادئك و قيافة الصدق العالي, ومع ذلك: يُستباح دمك تماماً تحت بند "بعبصة"والرصاصة الوحيدة تصيب قلبك بالزبط, هناك في وسط الصدر مع ميل خفيف لليسار
فبما انو الاشيا هيك: مش محرز حتى الحكي واعادة الحكي و الادعاء انو في اهتمام و تأنيب ضمير (ما بعرف شو تعريف كلمة ضمير عند اللي زي هيك!)
يمكن بتبقى مساحة صغيرة و بخيلة لأمنيات ما بيعرف الواحد لو بتحقق, بس بتضل عالاقل طريقته لحتى يفرغ رغبة قتالة بالانتقام غير المباشر من اللي سفح قلبو وروحو و ببساطة: دعس بنص دمو و مشي
بالاخير: الحياة ام بعابيص هاي الها طريقة تسترد لكل ايميلي ومن كل ذئب ثمن اللي حطوه تحت الحساب, لوقتها: انا شخصيا مستنية, ما بقى عندي شي اخسره, و لا كمان ايميلي اللي ممكن تكون بجد عنيتلها شي_ او كتير اشيا لأنها بجد حبتك _و عم تلعب عليها وانت عارف انو انت مجهز سلف كل التبريرات زي سوء التوقيت والمكان و الزمان لأخر هالليسته اللي انتو الشباب الحلوين واللي بتستاهلو البهدلة معاكم اكيد عارفينها و حافظينها و مطبقينها كتير, وواضح انو ناجحة معكم لحد كبير
ولأنو هيك, ما بتمنى لحدا يكون بمحلي او بمحل ايميلي من الذئاب اللي بتقدر بضحكة واتقان رهيب للكذب تخلينا نحس انو العالم مش ممكن يكون بعد احلى, ما بتمنى انو هني انو يتألمو بذاتهم,هيدا ثمن قليل واصلا مش كافي ليحسو شو نحنا منحس بهيك وضع (اذا ممكن يحسو اساسا)
بتمنى اعز احبابهم يتألمو و ينزفو روحهم وهالذئاب تكون مكبلة بعدم قدرتها ع اي شي غير الشعور انو الحياة عم ترد لهم الكف ذاته اللي طعموه لغيرهم, والاهم: انهم تماما بيستاهلوه
تخيل لو اختك بمكان اميلي؟ مش من منطلق ذكوري او مستضعف للنساء ولا بطيخ,طيب يا عمي اخوك, بس بجد, قديش ممكن تعيد النظر باللي بتعمله لو بتفكر بلحظة بالعجز اللي ممكن تحسه لو حد من اخواتك, يعني اقرب الناس لروحك و اغلاهم اللي بتتشارك انت و هني الروح و الدم ذاته, كانوا كمان بمحل ايميلي اخرى مستباحة وخسرانة كل شي,كل شي تماما حتى احترامها لذاتها لأنها صدقتك و مش لأنها بتستاهل, بس لأنو انت حبيت تستمتع بلحظة وما قلتلها عنجد عن حقيقة الاشيا جواتك ,و هي كل ذنبها انها ما كانت ممثلة منيحة كفاية لتوهمك بأنك صياد شاطر؟
بتعرف : عنجد الحياة مش عادلة بالمرة: بتحب حدا و بتصدق وبتعمل كل شي بتعرفه لتمشي الامور ولتسعدو وتسعد معه, وهو بيكون من اولها مستهين بكل شي فيك بس عم بيجرب, عم بيجرب: شو هالكلمة القوية؟ لأنو قلوب الناس فيران تحارب او صراصير بتدعسها و بتمشي بس تخلص تجربتك او تنتهي رغبتك او ببساطة: تمل و يصح لك شي تاني
مش عدل انو انت_كذئب_ بتربح كل شي: تجربة تضيفها لسجل تجاربك اللي عم يطول, وقت حلو قضيته بدون ما تتحمل فيه ضغط من اي ناحية, حدا بتعرف انو بيحبك كتير و هالشي كتير مهم طبعا للإيغو تبعك, وانسحاب غير مبرر الجبن ( انت بحالتك في خناقة و طبشة بباب, بحالتي مسنجر و تلفون انا عملته.بحالتك كتبت شي ع الاقل ممكن تقراه هي و تحس انو يعني, عالاقل في اثر لأنو عندك ضمير و احساس ما انو كان ممكن تكون الاشيا غير, بحالتي ما في غير السكوت و هرب لسكوت افظع)
بتربح كل شي , وتجارب جديدة جايي كمان_كم ايميلي رح تعد بعد لتشبع؟_ وكلمة النهاية اللي انت بتحطها محل ما بدك وقت اللي بتحس انو بطل مسلي هالفلم
واللي بيخسر_ايميلي وانا مثلا_ بيخسر كل شي , كلللللللللللللللللللللللللللللللللللللللل شي. وبيجرب يعزي حالة انو هوي كان صادق وواضح و محترم مشاعره, بس برضو هوي اللي كل يوم الصبح رح يفيق يسأل حالو اي جروح جديدة مخبي لو اياها هالنهار؟ وشو بعد في اشيا ما جربها ليقدر ينسىو يتخطى؟ واي ذكرى او كلمة او منظر رح يحسسه انو بيتمنى يختفي قدام حالو ع قد ما اهان حالو بأنو صدقك؟
ما بيكون اهون و اسهل و اكثر احتراماً لقيمة الانسان اللي قبالو الواحد و لنفسه برضو ان يقللو بالزبط شو حاسس بوقتها, بدل ما كل ما سألته يقلك انو ماشي الحال و فجأة يهد المعبد ع راسك و يضيع قلبك تحت الردم؟
كملاك, ام عين انكسرت تماما قدام قلبها, بقلك انو ع كبر هالشعور بالضعف والمذلة هلق, ع كتر مشروعية اني اتمنى_وبكل اللؤم اللي ممكن اقدر اوصلله ليعادل الطريقة اللي تم التعامل فيها معي
بتمنى يكون حدا عزيز وغالي ع الذئب اللي جرحني(اذا يعني هيك بشر بتحس بالمعزة والغلاوة)بمحلي للحظة, وساعتها بتكون الحياة المبعبصة انصفتني ع طريقتها, ولو متأخرة, ولو اني ما بدي فعلا هيك انصاف ما بيرجعلي شي من ذاتي اللي خسرتها بهاللعبة الخايبة
يا حرية, يا فرحة نارية*
ليحي ابو صافي
نخب مرفوع برسم الحزن القادم
مر عام يا صديق
عام على معرفة خاطفة سريعة ازهرت بيننا حكي و صداقة امتن من المسافة و اوسع من ان نحكيها بكلمات
ولأنها الذكرى ايها الجميل روحاً كما لا مجال ولا مكان للتشكيك,لأنها الذكرى: ارفع لعينيك البعيدتين عن هذا المكان نخباً لكل شيء كان, لكل ما سيأتي من لحظات يعجز فيها الحكي و يحل الصمت عميقاً جارحاً صافقاُ بوجه بلاغتنا ابواب الكلام.
وهي صور, مدينة تتمنى ان يعتقها الازرق من بعض احتمالاته: الخير و الخراب, الزلازل والمواسم, الاغاني و كل ما قد تحبل به الامواج.
صور تتكئ على حافة البلاد_او حد البلاد, او على طرف الما بين بين مما هي فعلا البلاد بالنسبة لي_ و تطل عليها عن بعد ليس كثير و تطلق اهاتها في مدى مستحيل على اللقى, وكذلك عصي على كل المرصود على اسم الهجرات من فراق.
وصور تستجدي فرح العابرين و المقيمين: نوارسا وقوارب جنى, مغتربين و نازحين الى فئ صيفها البديع وتغني لسهر تشتاقه ولا يأتي
"الدنيا اجت ع موعدها و انت بعد ما جيت"
اسمع كلمات الاغنية التي تحكيني, اشعرها كلماتي التي لا يعرف كيف يحكيها قلبي بصوت اخر, قلبي انا, ناطورة الذكريات وسادنة هيكل الانتظار التي تحرس الحكايا من النسيان. قلبي المحكوم بالامل و الانتظار و الحب المستحيل الذي يبتلعه دوماً بحر ما: من ماء الاحتمالات او من صمت البعاد او من سكاكين الفراق.
احول وحي الى بحر اخر:المقبرة بحر من اخر موت و حياة.
كل هذه الشواهد الخرساء لكل اولئك الناس الاحبة والغرباء,كل هذا الموت اذن. اللعنة: صمتهم اكبر من ان اطيق جهلي به.
وكل هذا الاخضرار! أمن جثامينهم يتغذى نسغ كل هذي النباتات فتخضر و تنمو اكبر هكذا؟ أمن تحلل ارواحهم هم تخضر ارواح النباتات فتتوحش في التعالي و التمادي جمالاً و تلوناً بكل هذي الاشكال الفذة الابداع؟
الموت و الحياة هنا ايضاً, يجتمعان على تلة هي الاجمل و الاعلى في صور, بالزبط على كتف جرف تنمو في حضنه قصص الحضارات الغابرة و حكايات الموج لشاطئ تحت قدميه كنوز التاريخ واحتمالات الخرافيات التي تنوء برهبة وقعها هذي المدينة.
ماذا لو حكت هذي الاحجار التي تملأ صورة المكان في عيني وفي الذاكرة؟
اي حكايا ستفور بها سماء المدينة و يعجز عن تحملها بحرها؟
في حضرة كل هذي الحجارة التي فيها حكي كثير و غزير, ولا كلام, في حضرة اسرارها المدفونة معها اشعر بالضآلة و بحاجة ناهشة للهروب مني الى مساحة اخرى تخفف عن روحي وقع ارتطام الذاكرة بصوان الحاضر.
أغمض قلبي على شهقة وجع لا اعرف كيف اداريه بعد. أفكر بما قد يريحني, أحد الاحتمالات هي ان أقول لي: قد أكلم يحي الليلة.
وفي الليلة, حين يتسيد هلال وليد سقف عالمي,احمل سماعة هاتفي و ابحث في الاسماء و الارقام عنك. للحظة افكر: ماذا اقول له؟
سأسألك عن الحال و محروسة قلوبنا القاهرة, وستجيب .ثم ستنفذ الى عمق الاشياء مهما حاولت ان اغطيها.
ستسأل باهتمامك الفارع كطولك"مبسوطة؟" واعلم انك ستنتظر جوابي الصادق, لا المعد سلفاً ككليشيه لصد بقية الاسئلة التي قد تنتج عن الاجابة الحقيقية الوحيدة. و سيكون علي ان أقول لك اني لست افهم بعد.
لقد مضى عام وحسب على معرفتنا, ومضى العمر على معرفتي بلعبة الحياة و الموت. مضى العمر في رفض الاقتلاع و محاولات الانزراع في التربات الغريبة.مضى العمر في حب صور المشروط دوماً بالحنين لحيفا لا اعرفها. مضى العمر ولا زلت لا استطيع ان افهم, فكيف بجواب "نعم او لا"عن سوأل قوامه كلمة سنفكك اسرار العالم و نوغل فيها حكيا و شرحا و محاولات فهم حتى نأتي على بعض حيرات السوأل؟
لذا, فحين سيأتي الليل و تهبط الليلة بكل تفاصيلها على المدينة, سوف انزوي عنك بصوتي وسأفكر بحاجتي ان احكي كل ما في داخلي بصدق ذات حضور. لقد باتت تؤلمني جليدية الهواتف, وللحقيقة يا يحي: انا بحاجة لحضن دافئ يمسح عن روحي برد وحدتها المختارة بعناية قاتلة.
ايها الغالي: ذات احتياج اتفقنا ان بكرا احلى, احتاج ان اصدق انه كذلك. احتاج ان اصدق ان الدنيا قد تصدق في موعدها و ان كل من غادروني , قد يعودون الي بطريق اخرى تجعلني لا افقد ايماني الطفولي بصدق وعدهم المستحيل.
الدنيا لم تأتِ على موعدها, كاذبة الاغاني و قلبي الصغير يغاوز في اعلان اكتفائه من خبل الدنيا, ويلف وجهي نحو البحر و يقول وعداً بالمجئ الى ارض ترضعنا الاحلام و الامل والعناد اللازم لكسر المستحيل.
هذا القلب يا يحي يعرف ان الاحزان بلا شك قادمة, وان بكرا سيمر بألف اه واخ حتى يكون فعلا احلى. حتى الغد الذي سيمرمر حلاه ايامنا سيتعتق فيها الفرح المرير: ليكن نخبنا هذا, سلام روح لروح لا تُرى على المسافة نخباً لفجر جديد. وتُحس بكامل العمق اللازم كي تحلي ما قد يأتي من مرارة اي وكل يوم بعد.
نخبك يا رفيقي, نخب حزننا القادم
صباح الخير يا بلادي
في عملي, يراني رئيسي الفلسطيني دامعة, ويمازحني زميل من جنين قائلاً بأن عليّ ان اهون على نفسي فالدمع لا يفرش الأرض بدعوات العودة الملحة.
يقول لي ان البلاد ليست بلاداً, بل هي جهنم تحرق كل من فيها ومن يقترب منها. "حبها غلّاب" أقول له.
_علي ايش بس افهم؟ و لك انتي الله تاب عليكي بأنك لبنانية , ليش تدوري ع وجعة الراس؟
اشعر بحاجتي للبكاء تتعاظم. اريد ان اهرب من المكتب و من جو الاستغراب الذي ينكر عليّ مشروعية مشاعري.
**
أعاود القراءة ,وأفكر.
أفكر بالقرى و المدن التي هُجر أجدادنا منها, كيف تطلع عليها صباحات ما بعد النكبة؟
أفكر بالناس الذين قص صليب فلسطينيتهم ظهورهم و ما قصم هامة إيمانهم بأنهم ذات يوم يعودون, ربما جثاميناً وأكفانا, ولكنهم يعودون.
أفكر بالمواسم المتروكة لحصاد آتٍ لم يجئ.
أفكر بالإغراض المتروكة على وعد لقى يأتي بعد أسبوع, ولا ينتهي الأسبوع بعد 60 عام.
أفكر بأن فلسطين غيرت مفهوم الوقت و بدلت في وظيفة الساعات.
فلسطين ما زالت تنتظر أسبوعها الذي ماد به الوقت, ولم تتغير و لم تتبدل في بعض ناسها تبديلاً.
**
أفكر بوجه الحاج إسماعيل ذات حنين. يوصيني و حفيده بالدراسة "لتعمروا البلاد". نسكت كلانا إكراما للحظة وفاء يؤديها ضمير هذا الرجل الذي تلاقفت عمره المنافي و ما أراد سوى الموت على ارض بلاده.
يمر الصمت ثقيلاً في اللحظات المعلقة على أهبة الذاكرة,ثم يعاجلنا الحاج إسماعيل"أمانة لا تنسوا البلاد, لا تنسوا البلاد". ثم يداهمنا معه الدمع الذي لا يعصى حيالها و أمام سطوة حضورها الباهر: ذاكرة وقعت أو ذاكرة مُشتهاة.
**
أفكر بالرجال الذين إلتقيتهم العام الماضي في مخيمات اللجوء في لبنان اثناء تظاهرات النكبة ال59 التي تحاول ان تحيّ همة الرجوع في المنكوبين بالهجرة من بلادهم مرة,و بحياة اللاجئين المُرة ألف مرة.
كانوا يجلسون أمام ما بات مصطلحاً على تسميته بيوتاً, ينظرون إلينا بعيون ملؤها دمع عتيق. في العودة من مقبرة شهداء مخيم البرج الشمالي شمال صور, أمر وصديقة اجنبية بكاميرا مُدلاة من رقبتها بجمعة منهم,يكشون الذكريات و الضجر عن حاضر يتكرر بوقاحة لا تُحتمل.
أحييهم وأسألهم عن قراهم, يحكون ويحاولون ان يحددوا لي بالحكي مواقع نكبتهم الاولى على خريطة مفترضة محفورة في قلوبهم و عيونهم. يداهمني الدمع والخجل امام باذخ الاشتياق الذي يفر من اصواتهم, ابكي على مرآى من عيونهم التي تحرس حزني بالدهشة, وأمام ذهول صديقتي التي لم تعرف كيف تداريه او تداويه سوى بأن تشرع كميرتها لتجمد لحظة كهذه في اطار.
**
أقرأ مزيداً.
أقول لي: ها أنتِ على الدرب ذاتها مع كل اولئك الناس الذين تطلع من صبرهم الحالك شمس النهار. معاً نصنع الانتظار من أمل ومن عناد, ونعطي للكلمات معانيها الأكمل.
ونتعب قليلاً, نتعب كثيراً, ما هم: من يقول أن بلاداً كهذه تؤتى بتعب قليل؟
أقرأ عن بلادي في عيون كثيرة و عديدة تنبهر بفرادتها. تمتلأ بالتوق اليها صباحي وأقول لها "صباح الخير."
أقول صباح الخير لأرواح الراحلين وعيونهم معلقة على غدها الناصع.
أقول صباح الخير للباقيين على ذمة حريتها الآتية.
أقول صباح الخير يا وطني, وتطمئنني فيروز بملائكيتها الفارعة: سنرجع يوماً
هل هي نكسة واحدة؟

