اجازة


هي كذلك فعلاً
أغيب فيها عن العالم اليومي المكرورة تفاصيله الذي اعايشه منذ فترة طويلة دون ان يتسنى لي وقت مستقطع لنفسي ارتب فيه الفوضات التي تعج بها حياتي, واعيد تحديد اولويات ايامي و ما اريده فعلاً من هذه الحياة

هي اجازة فرضتها الاعياد المتزامنة في هذه الايام الاخيرة من العام الذي لا اعرف من عرف له مثيلاً في بشاعته و صعوبة وقسوة اختباراته لكل ما هو انساني فعلاً فينا. و اجازة قرر الوضع السياسي و الاقليمي ان امضيها في لبنان, بعد اعوام من الاجازات التي قضيتها سندبادة بين البلدان

اجازة احتجتها حقاً , ومنذ وقت طويل دون ان أعي حجم احتياجي بسبب تلاحق الاحداث و الانشغال الدائم بما يهم ولا يهم حقاً.اجازة يعزز مفهوم الكسل و الراحة فيها انقطاع الانترنت في بيتي _وهو امر لم اعر اصلاحه اهمية حقيقية_ فوجدتني بنتيجة كل هذه المقدمات لاجازتي السعيدة انطلق بهمة عالية لوضع جدول لكل يوم فيها بحسب مزاجي وماعليّ فعله بحيث انجز مع نهايتها سلسلة تفاصيل كانت مؤجلة على الدوام

أنام يومياً ما يفوق العشر ساعات: هذا ترف افتقده منذ سنوات! حتى حين امرض لا انام كل هذا الوقت. و النتيجة: بال رائق وجسد مرتاح و وجه يفيض صحة ويضيء بالراحة

أقرأ كتاباً و اكثر قليلاً يومياً: هذا اشد ما كنت اتوق اليه و احتاجه فعلياً من فترة طويلة, حيث صارت قراءاتي متقطعة و متباعدة وبغير تركيز عالٍ. الان حين اقرأ, بيدي قلمي, و عقلي يقظ تماماً لتسجيل الملاحظات و وضع الاسطر و علامات الوقف بين الكلمات و وفق الفقرات.

فمنذ يوم السبت الفائت انجزت : العدد الاخير من مجلة الاداب بملفه الغني عن الطائفية في العالم العربي كاملاً, روايات "انها نائمة" للبناني الياس خوري, "حب في السعودية" للسعودي ابراهيم بادي, "جاهلية" للسعودية كذلك ليلى الجهني, "دع عنك لومي" للسوري خليل صويلح, "اماكن حارة" للعراقي جنان جاسم حلاوي,"رأيت رام الله" للفلسطيني مريد البرغوثي, واقرأ الان "اخطية" لأميل حبيبي الفلسطيني, و اتيت على مجلد غسان كنفاني الذي يضم دراساته في الادب الفلسطيني المقاوم
وما تزال امامي10 ايام طويلة لانهي لائحة القراءات التي قررتها منذ رتبت مكتبتي في اول ايام الاجازة و أخرجت من بين ارتال الكتب و الاوراق المتراصة فيها مجموعة يجب ان اقرأها ( عيب انو عندي اغلب كتب ماركيز و بعدني مش قاريتلو الا "ذاكرة غانياتي الحزينات مثلاً) او الاعمال الكاملة لشعراء مهمين كفوأد حداد و امل دنقل و لم آتي عليها بعد! فإذن, الاجازة مستمرة بمزيد من القراءات , ولا اسعد عندي من اجازات كهذه اشتغل فيها بالقراءة

ايضاً: اشاهد يومياً الحلقات الوثائقية التي اعدتها قناة الجزيرة عن حرب لبنان, قريباً انهي السلسة بمزيد من الوعي حول ما جرى في هذا البلد الموصوم بالانقلابات و الحروب و الطموحات المدمية, وبأكبر من المسؤولية تجاه حاضره و غده. فبرغم كل تساؤلات الهوية التي اجابهها , ككل من يريد حقاً ان يعرف ما هية وجوده على هذي الارض, فلبنان يبقى البلد الذي رباني و كبر في نزعات و نزاعات تجعلني امضي في الحياة اكثر اصراراً و عزماً ان استحق ان اعيش ما في هذه الحياة من احداث و انجازات و مصائب اتعلم منها اكثر.

وهناك مجموعة من الافلام التي لم اجد وقتاً و مزاجاً لمشاهدتها دوماً من قبل ( اغلبها لنيكول كيدمان , احد ممثلاتي المفضلات التي تحب المقابر مثلي) و الكمية المهولة من اشرطة الكاسيت التي تتضخم في جواريري دون اي نوع من الترتيب او الفهرسة , والتي اعيد الاستماع الى بعضها يومياً فأستعيد صوت و رائحة ذكريات عزيزة عن وجوه و احداث و ايام مضت الى رتبة الامس.

الاهم, هذه الاجازة امنحها من كل قلبي لعائلتي (ماما و اخوتي) , علاقتي بهم منذ فترة تتأرجح الى غير ما اردته دوماً. و يستحقون و استحق ان تكون علاقتنا متينة و مميزة كما عشناها دوماً.
قليل من الوقت للاصدقاء, فبحسب ماما هم يملكون وقتي طول العام, و اقل منه للانشغال بالعمل التطوعي الذي امارسه حياة يومية في حياتي خارج زمن هذه الاجازة القصير نسبياً مقارنة بكل الوقت الذي اتذكرني "ناشطة" فيه
والوقت الاقل من القليل اعطيه للعالم الافتراضي (قضيت اربعة ايام دون ان اتفحص بريدي الالكتروني) و لكن ما يعيدني الان للقراءة عبر النت قلم رفيقي الذي شد ما افخر به زرياب مثلا و هو يسرد ويؤرخ لتجربة العودة الى الوطن

هي اجازة: مليئة و مفعمة بما اجلته دوماً, الاكثر تكثيفاً و تركيزاً فيها "ملاك" , الصبية التي من حقها على نفسها ان ترتاح قليلاً و ان تعطي قلبها وروحها فرصة جديدة للانغماس في مشاعر اشتقتها بكلي ,ولم اكن ادري كم اشتقتها الا حين استعدت الاحساس بها عالياً و عميقاً وجميلاً حد الشهقة اندهاشاً امامها كلما باغتتني حيث و حين لا اتوقع


هي اجازة : اذهب فيها اكثر نحو ما الوطن و البلاد و إلتزامي الحقيقي بأن "اشتغل على حالي" لأكون شخصاً يستحق الانتماء الى كل ما امنت به يومياً طوال حياتي , و آمل اني سأظل وفية و مثابرة على نهج كل من مثلوا لي ايقونات اضاءت الدورب المعتمة لنصل اليوم الى منعطفاتنا التي سيصنع خطونا عليها باقي الطريق

يعلو الادب , يعلو الادب

ما بزعل لو علوية أخدت الجايزة, بس بكون عنجد مبسوطة لو بتاخدها سحر خليفة, كتير مش ماخدة"
"حقها هالروائية

هكذا قلت للسيدة رنا ادريس, مديرة دار الآداب, يوم الاربعاء الماضي بعد ان تناولت بعض الصحف و الاوساط الثقافية خبر ترشيح الكاتبة اللبنانية علوية صبح _عن روايتها "مريم الحكايا"_ لنيل جائزة الجامعة الامريكية في القاهرة المرصودة بإسم الاديب نجيب محفوظ.

وانحيازي لسحر خليفة قديم, منذ وافتني_او وافيتها_ على عهد الانحياز لجانب العدل ضد الظلم و الجمال ضد القباحة والانسان ضد "البشرية". فسحر تتطور جذرياً من رواية لأخرى: سرداً و حبكة و وصفاً و احداثاً ولغةً و عمقاً ونضجاً

الرواية التي حازت خليفة الجائزة عنها هي احد اروع ما قرأت من روايات بالمطلق "صورة و ايقونة و عهد قديم". وليس إعلاني هذا بجديد, فهذه الروائية حببتني بالقدس التي اريد ان احب دوماً كي استطيع ان اناضل لأجل حريتها دوماً, بنفس العزم و الاصرار لإنتزاع حرية فلسطين من ملح بحر حيفا الى عرق الرمال الجاف في النقب الى زيت الزيتون الذي ينعصر دموعاً ووفاءً في العيون و القلوب

وهي الرواية الاولى التي قرأتها لها, ثم_كعادتي حين احب قلماً ما_ حرصت على قراءة كل ما صدر لها من روايات. وقد كنت محظوظة بعملي في دار الآداب, حيث اتاح لي ذلك ان ألتهم كل ما كانت قد كتبته بالتسلسل الزمني, بدءاً من "لم نعد جواري لكم" حتى القدس ايقونة في روايتها الفائزة بالجائزة


ولقد أُغرمت بهذه المرأة المناضلة بقلمها حقاً, قلمها مختبر تظهير افكارها التي تعيشها حقاً في الحياة, قلمها الذي يجعل من كل رواية عالم قائم بذاته, عالم يتطور و يتجدد في كل رواية_رغم ان تفاصيله و تطوره مختلف من رواية لأخرى بشكل جذري_ ولكن يمكن بسهولة تحديد القضيتين الاساسيتين المتلازمتين كتوأم سيامي في مجمل كتابات خليفة و الذي عبرت عنه بلسان احد شخصيات روايتها الاخيرة "ربيع حار" حيث نقرأ: كيف تتحرر فلسطين و انا المرأة أقبع في الذل؟
حين صدرت رواية "ربيع حار" صارت سحر خليفة عندي أهم قلم نسائي بالمطلق,بدليل اني اعتبر روايتها هذه اهم ما قرأت و من مفضلات الكتب عندي, كل مرة أعاود إلتهامها لأحاول الارتواء منها و أعطشها أكثر بعد كل قراءة. وربيعها الحار تحديداً هي أحد اكثر الكتب التي بعتها في معارض بيروت الدولية للكتاب التي حرصت على ان لا اغيب عنها قبل ان اتخرج و تشغلني عن الثقافة_ بمعنى ان اكون شاهدةً , مشاركةً بطريقة ما في نشرها_ مشاغل اخرى, وليست بالضرورة أهم و لا اقرب لروحي

وكذلك, "ربيع حار" هي الكتاب الاول في لائحة خياراتي لتكون هدية لكل من اعتبره يستحق متعة قراءة هذه القطعة الادبية الخالصة, و اندهاش التفكير بالاسئلة المهمة التي تجبر قارئها على التفكير بها. سوف لن احكي عن هذه الرواية كثيراً بعد, لم أحكِ عنها كثيراً يوماً , إذ اعتبرها ارفع واغنى و اوجع و ابهى من ان يصفها اي كلام سوى كلامها هي الذي يجري على ألسنة ابطالها الحقيقيين جداً, الذين نعرفهم في فلسطين و لبنان و الاردن و كل مكان في العالم بشخصياتهم التي تتمازج فيها خصال العفة و الاستغلال, التوق و الانكماش, وسواها من خصال الانسان, لا البشري الذي يأكل و يشرب و يتناسل و ينام
طبعاً الاوساط الادبية تعج بالنقاش حول الموقف من هذه الجائزة التي يُخشى ان للسياسة دور في تحديد من ينالها , بموازة دور الادب نفسه. ولكنها حتى الآن مُنحت لمستحقيها _فيما عدا الصديقة و الحبيبة أحلام مستغانمي برأيي_ بمعزل عن المشهد الساسي اللحظوي .ولكن هذا النقاش اراه ضرورياً ومهماً و غنياً_ مُغنِياً حيال اي وكل ما يأتي من جامعة امريكية في كل مكان في العالم. فلا مانع ان تكون هذه الجامعات التي تدعي حرية و ديموقراطية التعليم بؤرة لاشد مظاهر التخلف و الرجعية كما حدث مع الدكتورة سامية محرز_ وهي للمفارقة أحد أعضاء لجنة التحكيم التي قررت منح سحر خليفة الجائزة لهذا العام_ في القاهرة حين درست رواية "الخبز الحافي" لمحمد شكري و أثارت ضدها موجة انتقادات و أراء مساندة_ حتى ان أدوارد سعيد ذكر الحدث في خطابه لخريجي الجامعي الامريكية ذلك العام 2002_ وما يفوقهم عددا ًو شراسة واستبسال في الدفاع عن التخلف و الظلام من المعارضين لتدريس الرواية ضمن مادة الادب
بعيداً عن كل ذلك النقاش_ وهو مهم جداً مجدداً_ وفي قلب الفرحة بأن تنال هذه الروائية المتميزة جائزتها الأولى عربياً ومن قلب القاهرة, اتصلت فور قراءتي الخبر في جرائد اليوم بالسيدة رنا إدريس. كان صوتي يضحك فرحاً و قلبي سعيد حقاً بهذه البارقة الخضراء الصغيرة من أمل وثقة بقدرة الثقافة على التأثير و الفعل وسط كل اليباب الذي يغلف احتمالات ايامنا. وتحدثنا بفرح عن احقية خليفة بالجائزة اكثر من اي قلم أخر , وطبعاً باركت لها و للدار, إذ ان روايات خليفة كلها تقريباً اصدار دار الاداب ( ما عدا ربيع حار_على حد علمي_ التي صدرت مناصفة مع دار عربية توزع في فلسطين , إذ صممت الروائية على ان روايتها تتوجه لفلسطين و لا يوجد ما يقنعها بأن لا يقرأها اهل فلسطين لسبب لوجستي كإستحالة ان تقوم ( دار لبنانية بتوزرع كتبها في الارض المحتلة
فبرغم كل الالتباسات المحيطة بالجائزة وتوقيت منحها ودلالة الاختيار لرواية تقدس القدس مدينة تعج بالتفاصيل و المنع و الحب و رائحة النبوة المستحيلة في زمن الردة: أنتِ أهمية الجائزة هذا العام سحر خليفة. انتِ التي لا تتحرقين الى شاشة تستضيفك و لا تبتذلين لمجلة تكتب عنكِ ولا لوسيلة اعلام تصنع شهرة لكِ او لما تكتبين.
سحر خليفة الفلسطينية جداً :سيدة الجائزة المطلقة, وسيدة اللحظات التي تحتفي الثقافة _لا فقط الجائزة_ بقلبها و قلمها المؤمنين و الهادسين دوماً بأن الادب ليس حلية نعلّقها فى صدر البيت، وشكلة على الرأس... إحساس أعمق، مجبول بالتراب، بالشوارع، بهموم الناس، برصاص المحتل والمدافع، بالضحايا ودم الثوار. وأيضاً بالحب والتمنّي وحنين القلب، وجمال الروح والتصدر للكآبة بأجنحة الحلم. والأدب بالنسبة لها ليس نزهة، بل جهد وأجنحة ومرايا وعتاب دائم للذات وسماء ماطرة وقذائف ومآذن في أرض ما عرفت إلا الدم
سحر خليفة, ودونما الحاجة لجوائز و لا تقديرات الا من ارواح وقلوب قرائك: يعلو بكِ الادب, يعلو بكِ

بيروت مدينة

بيروت: الصباح يتمدد في يوم المدينة كضباب خفيف
يطلع الضوء من الشقوق المتروكة بخطأ هندسي ربما بيت البنايات المتراصة كأنها صف من اقدام الجنود المملولين من وقفتهم المغبرة
قبل ان يتسلل الدفء الطبيعي الى حيث اغفو, أقوم لأطمئن ان البنات نائمات و انهن متغطيات جيداً و ربما يحلمن بعالم أقل مرارة
تمر من بين قدمي"سيما" القطة البيضاء, بينما يجلس "قمر"_القط العسلي_ يراقب حذري الدائم من كل انواع الحيوانات, ارتبك من ملمس الفرو الناعم و أفكر مع تنهيدة : يا إلهي كم لا أطيق ملمس الحيوانات
::

بيروت: اليوم سيكون يوماً "تصعيدياً" للمعارضة الوطنية والجميع يترقب
تسألني رانيا هاتفياً بالأمس: انتي اكيد جايي معي بكرا؟
ظننت ان بيننا اتفاقاً مسبقاً و انا نسيته في حضرة ذاكرتي المولعة بالنسيان :ليش شو في بكرا؟
بكرا الأحد, شو في بكرا؟_
تلزمني برهة حتى اتدارك ما تقصده عن بكرا, وارد: لا أكيد مش جايي معك بكرا و لا غيرو
ولك يا بنوت_
أقاطعها: بس نلتقي المسا منحكي
وفي المساء سنحكي, سأقول لها اني لا ارضى ان اتحول رقماً يعده من كان ليتفق مع العميل و القاتل, ويقولون لي "وحدة وطنية" انا ما عدت اؤمن بهذا الوطن اساساً: انا ربتني صور التابعة تاريخياً لصفد او عكا, يعني فلسطينية اكثر من لبنانية. ثم ان هذا اللبنان اُنشئ لاجل عيون امراء الجبل و مدينة بيروت, فليكن ولننتهي من حكاية ابريق الزيت المتمثلة بحرب اهلية كل 30 سنة
تندهش صديقتي, ولكنها لا ترد بحماستها المعتادة, ربما لأنها تدري ان معي حق بشكل او بآخر
::
بيروت: الشوارع فيها مليونا شخص يوم الجمعة في أول ايام ديسمبر لهذا العام الغريب, ربما لم يبق أحد في بيته الا السنيورة _و السراي الحكومي مش بيت ابوه يعني_ و بعض الذين اكتفوا بللبننة شرفاتهم. اذهب من باب الفضول, اسأل الناس لما أتوا من كل حدب و صوب ليشاركوا, الجميع يورد اسباباً مختلفة, وكلها منطقية ومهمة وجوهرية, ولكنها لا تقنعني.
أسمع الخطابات عبر التلفزيون و لا أشاهدها, مللت من الاخضر اصفر ليموني, بدنا نسقط الحكومي, ومن نحن"نريد حكومة نظيفة" و يا سنيورة اطلاع برة, بدي بلادي حرة حرة
ملل و غضب كذلك, يقول لي اخي الذي ينام مع المعتصمين في الساحة ( و حتى الآن لا يُقدم لهم سوى الطعام, لا مصروف و لا مقابل لمبيتهم ولا شحن خطوط الخلويات)ان الجو رائع تحت (تحت يعني ساحة الشهداء او ساحة البرج سابقاً) واني يجب ان اذهب
انظر اليه واقول في نفسي: بعد بدكم فت خبز كتير, واقول له: انت روح و تعلم كيف بتصنع السياسة و التغيير, انا بديش انزل مع ناس دبت اخبر قياداتهم هلق (كنا مع بعض بالجامعات بهيديك الايام) عن الاسرى و الضمان و الجامعة اللبنانية وما كانوا يتحركوا, هلق فاقوا ع هالوطن؟
يحاول ان يناقشني في سلبية موقفي :حتى اصحابك الشيوعية نزلوا

هنا اكاد انفجر, واقول بصوت يحاول ان لا ينفجر في وجهه , فما ذنبه ان اليسار صار اذناباً؟, مهي هون المصيبة, هون اصل البلا, ما بقي في و لا تقدمي واحد و لا رفيق واحد يقول لأ بوج هالخندق او هالزاروب, ما بقي في مين يقول لأ
واذهب الى غرفتي كي اخفي دموعاً تباغتني قهراً وقرفاً
::
بيروت: الطرقات الحيوية كلها مقفلة لاسباب تنظيمة و امنية تتعلق بالاعتصام المصمم والعاقد العزم على اسقاط الحكومة, لا بأس ببعض ازدحام السير, ولكني اريد ان انتهي من التصوير لأذهب مع البنات الى السينما.
لا ادري كيف اصبحت الشخصية الانثوية الوحيدة في فيلم داليا عن بيروت, المفارقة اني لست من بيروت و لا مهووسة بها, ومع ذلك ها نحن نصور مشاهدي في هذا الوثائقي عن المدينة.
في "العجقة" تقول لي داليا اني امثل جانباً تريده ان يبقى لمدينتها, وهو المُقاتلة لأجل ما هو افضل و اكثر عدالة و انسانية بدليل انك ما قبلتي تشتري مي من صحة لأنو اشترتها نستلة مثلاً و هيدا من ابسط و اصغر الاشيا
اخجل حقاً, منذ متى صار الواجب واختيار الضمير امراً يستحق الالتفات اليه؟
المصور طلال شاب لذيذ رغم انه مع اليسار الديمواقراطي, في آخر اليوم الطويل اكتشف انه ابن إلياس خوري, ظل طوال اليوم يربط كل ما هو سيء بحزب البعث
. وانا "انقر"على ارائه في الرد اذ اعتبر ان من مع اليسار الديموقراطي "مخه ضارب" لدرجة ان لا شيء قد يغير فيه قيد انملة _حلوة هالقيد انملة, من وين طلعت فيها انا ع هالصبح؟_ضحكت حين عرفت من ابوه, كنت اريد ان اقول له انه من الاجدر به ان يحاول اصلاح رؤية والده للعالم , إذ يرى فساد سوريا مثلاً وقمعها للحريات و لا يرى فساد فتح و مصادرتها لكل صوت مغاير لسياساتها_اقله في لبنان_ و التي لا ينتقدها ولا بحرف و هو المثقف الواعي المتنور
ثم غيرت رأييَ: ما شأني, ربما ليس الولد على دين ابيه

::
بيروت: نفس الشوارع, نفس الساحات: هنا إفترشنا الرصيف مطالبين بمنح كوزو اوكوموتو ورفاقه من الجيش الاحمر الياباني لجوءً سياسياً للبنان, وكنا قلة قليلة
في هذه الساحة سهرنا الليالي نتسقط خبراً عن صحة اسرانا_لبنانين و فلسطينين_ في السجون الصهيونية خلال اضرابهم, واضراب بعضنا معهم, عن الطعام الذي بدأ منتصف آب
2004وعلى بعد خيمة من هنا, سالت دموع ام محمد خلال احد الاعتصامات لكشف مصير السبعة عشر ألف مفقود في الحرب الاهلية اللبنانية و الذين هم برقبة سوريا او اسرائيل حتى يثبت غير ذلك, وبلى: القتلة و المتسترين على راحة قلب و بال امهات واخوة و اباء يتساوون, وكفانا من الاسطوانة المشروخة بتاعة أنا وخيي ع ابن عمي و انا و ابن عمي ع الغريب

::
بيروت: تقاطع السوديكو _بشارة الخوري, قطعة النيلون التي نصبناها خيمة لا تقينا البرد و المطر,و خيمة عن خيمة بتفرق. "شباب خائف على وطن" ننتشر على التقاطع, نوزع المنشورات المكتوبة بخط اليد و المصورة بأقل تكلفة و على عجل, نأكل كعكاً بزعتر او جبنة و نمنع على اي من المشاركين إدخال اي منتج مدرج على لائحة المقاطعة الى خيمتنا .
نضحك على مفارقة فقر حالنا أمام ما كان سابقاً من خيام تنادي بحرية وسيادة واستقلال, ونحن لا من يدعمنا
اصلاً من قد يدعمنا ونحن ضد الجميع؟
ندعم انفسنا و نكمل "النضال" كما يسمي الرفيق عربي تحركاتنا.
اتميز رغبة لدخول مبنى بركات الذي توقف زمنه و جمد في الايام السوداء للحرب الاهلية السابقة, ربيع يتشجع, ونتسلل المبنى الرائع هندسياً والذي طابقه الاسفل سجن على حيطانه دم قديم. نصور ما بقي من ذاكرة يُراد اخفائها كي لا نتعلم منها_اذا في أمل نتعلم اساساً_ متاريس, اكياس رمل, قناني ويسكي وبيرة من ايام الثمانينات, "فشك" رصاص, شعارات دموية وعلى الدرج شبه المتهدم و المهدد بالسقوط قطعة ثياب داخلية نسائية حديثة نسبياً, ربما تُركت على عجل أثر انكشاف امر المتسللين ليمارسا الجنس او الحب هنا.
يكشفنا الدركي و يبداً خوف ربيع من ان نتعرض لمساءلة, فثمة قرار قاضٍ بمنع الدخول الى مثل هذه المباني في بيروت., ننزل الدرج على عجل ونحن نضحك كطفيلن تطاردهما مخاوف خرافية, يمسك ربيع بيدي ونقفز من "طاقة" الطابق الاول حيث تسللنا كما في الافلام
نركض الى الخيمة ضاحكين.يعاتبنا الشباب" هلق بيجوا بيقولوا كاني و ماني وهني من غير شي مش طايقيننا هون" ويقصدون المخابرات و الدرك و كل جهاز رسمي للسلطة
انفض عني غبار السنين و الموت المجاني العالقة بثيابي من مبنى بركات
و اذهب الى الدركي وسط دهشة الجميع, اقول له " بدك هويتي؟ انا فلانة وطلعت ع مبنى بركات: إحبسني اذا بدك" يضحك الدركي بعد دهشة, يقول لي "خايفين عليكم نحنا, بعدين انتي صبية و..." وقبل ان يعيد علي الاسطوانة التي مللتها لكثرة التكرار ارد عليه بصوت حاسم : احسن نكون_صبايا و شباب_ خايفين ع الوطن
يستقبلني ربيع بضحكة مكر "عرفتي تلفيها يا عفريتة"
نجلس نستعرض الصور. اوشوشه "بس بدي اعرف مين الو خلق يمارس جنس بهيك مزبالة و تحت هيك شعارات ؟" ونضحك مجدداً وسط استغراب الجميع

::

بيروت: ادخل مقر اتحاد الشباب في مغامرتي الاولى بالنزول الى بيروت في عز الحرب آب المنصرم, اجد صورة ربيع معلقة مع ضحكته الاسرة تعتلي عبارة كبيرة "لن ننساك يا رفيق" اسأل حسان, ولا يجيب, اطوف بعيني جزعة على كل الوجوه و احداً لا يخبرني قبل ان ابدأ النشيج :شو صار لربيع؟ حدا يخبرني شو صار لربيع؟
يمسكني حسان و رانيا و يحاولان تهدئتي, قد لا احتمل فوق الدوامات التي تعصف بروحي خبراً من وزن خسارة أحد أحب الرفاق الي.
ملاك, شو بدنا نعمل هي الدنيا هيك, يمهد حسان و الدموع بعينيه هو كذلك
يجيبه صوت نابع من داخلي اقرب للفحيح: طيب بس قللي, توجع وهو عم بيموت؟
وقع بفتحة الاسنسير" اغمض عيني و اطلق شهقة ألم عالية"
::
بيروت: المدينة هذ الصباح المتسارعة دقات وقلوب خطوات ناسه في تصعيد للقضايا الغريبة التي ستعيد انتاج نفس الازمات قريباً , المدينة كروحك يا ربيع, كأرواح كل الذين يؤلمهم حيث هم كل ما يحدث, ويحز في ارواحهم كما في اجسادهم, او اشلائهم, هذا الانحراف الفظيع في بوصلة المبادئ الانسانية والوطنية
ارشف فنجان الشاي الذي برد و أنا اطبع .سارية تصحو وتقبلني و تتدلل علي كما لو انها لم تزل في الخامسة حين عرفتها لأول مرة, اقول لها اني أتية بعد ان انهي طباعة فكرتي الاخيرة

وها أنا أضعها هنا ثم أقوم ليوم جديد
بيروت هذا الصباح مدينة تتوجع و لا تموت

إلي بعيدي

من سنة لسنة, يوم عيدي بيكون وقفة و جردة حساب مع حالي: هالسنة كانت كبيرة و طويلة و عريضة و مليانة انفعالات و انجازات و خيبات و طفحت حب و صداقات وخيانات

هالسنة كانت مكثفة على صعيد كل التجارب

وبرغم كل الوجع, والحزن و التعب و الشجن و الضحكات المؤجلة و الاحزان اللي دايماً ع الوقت: بتمنى إلي انو سنتي الجديدة تكون زي اللي مضت

سنة غنية و شهية و تضل ماثلة بالذاكرة و الروح كتير و على طول, تعلمني و تقويني وتمتن انتمائي لبلادي و اهلي و ناسي و تختبر مبدئيتي و استقامتي و ضميري


ومن أنا لكل اللي صنعوا سنتي اللي بودعها اليوم" شكراً" ع كل شي, ورغم كل شي_ كان وما كان و لا رح يصير_ بحبكم: لولاكم ما كنت بحتفل بكل تفصيل اليوم بهالرضى

افكار شخصية جداً

اليوم لما حكيتك و قلتلك في اشيا ما في حدا رح يفهم شو عم بحس غيرك ,كنت و بعدني بعنيها كتير ولاخر الكلمة يا عمتو

من فترة و صارلها الاشيا عم تضرب براسي زي شي طبل افريقي, اشيا خصها بكل شي بيعمل الانسان كقيمة موجودة بشكل يومي وبالمطلق بهالحياة

بعرف اني عم بكتبلك اشيا زي اللي منقراها بالكتب (صحيح, شو عم تقري هالايام؟ انا صارلي فترة مش عارفة اقرأ شي زي العالم والناس)
بس صرت مقتنعة انو هالاشيا هي الحقيقية زي ما الشمس بتعمل النهار و البحر بيفتح المدى ع كل الاحتمالات.
لازم تكون هالاشيا حقيقية مش هيك؟ لأنو لو مش هيك بيكون دم الشهدا شو مثلا؟ و شباب الاسرى اللي مش ضايع فينا ؟ او البيوت اللي تاركينها ورانا وناطرتنا نرجع يوماً؟

يعني شو بدي اقلك تا اقلك, صرت عم بتعب كل يوم اكتر يا عمتو.
هالانفصام بين واقعي و بين شو فعلاً بدي عم بيزيد كل يوم, ويمكن تجربة الحرب و معايشتها لاخر الحد الفاصل بين الحياة باختيار كامل للمبادئ او الموت ع ذمة شرفها, وتجربة انو يشوف الواحد قضيته و ناسه و شعبه و هو شوي بعيد ( مش شوي : كتير يعني ع اساس لهلق عم بجرب ارجع اعوض نوم عن ايام السفر اللعينة لبلاد العم سام), والاحساس المتراكم بأنو هالاشيا بطل ممكن تجاهلها بالروح: يعني كل هالاشيا ع بعض عم بتخليني احس اني رح اطق لو ما حكيت

هياني عم بحكي, معك انت تحديداً لأنو دوناً عن الكل( اللهي يلعن هالمفردة : انو حدا منخصه بمكانة غير عن باقي البشر منقول عنه"دوناً" شو هاللغة العويصة هيدي ؟) لأنو فوق الكل, وفوق الحدود و فوق الاحلام المبتورة, قادرين نتواصل بشكل احسن من اللي بقعد معهم يومياً و بيفكروا اني عم بقرب ع الجنون.

من كم يوم تعشينا سوا مع العيلة, كانوا تقريباً الكل هون, من زمان ما اجتمعنا هيك جمعة, كان بس ناقص انتي و عمو خالد وفاديا( شو بتكون كلمة بس سخيفة لما بتقصد تقريباً اكثر من التلت الباقي من العيلة! بس قلنا يا عمتو: لغة عويصة)
بتعرفي عيلتنا: انتي اكتر وحدة بتعرفي صعب ما نحكي سياسية( شو نحكي: نصرخ و نناقش بالدرجة الاقل مباشرة من حمل السلاح ع بعض عشان مواقف بعتقد بتعرفي كيف صارت متشكلة بيناتنا), كان عمو عمر رح يصيبه جلطة: تخيلي صار عندو انفعالات كرمال موقف سياسي اكتر مما بحياتي شفته بينفعل لأي موقف بالحياة!
بعد الوصول للحيط المسدود بمسألة اقناع بعض بشي وجهة نظر غير اللي بلش كل واحد فيها الحديث ( بس رجعنا ع البيت قلت لماما انو في وجهة نظر بالحكي اللي سمعته: بهدلتني و قال شو "بششششششششششش صايرة جنابك تدافعي عن جماعة 14 آذار؟") شو كنت بدي اقلك؟
ايه : كنا عم نضب الاكل و انا بالمطبخ مع هنادي قالتلي بما يشبه النصيحة اللي عم تجرب تخبي الشفقة" لا تعملي زي عمتك و تروحي عمرك بالجنون " طبعاً انا انصدمت ( مش عم بلحق صدمات مؤخراً يا عمتو, اسوأ شي بهالحياة طلع انو اصدق شو بيحكوا الناس عن حالهم, يمكن لازم ابطل اقبض اي شي جد من اي حدا, ولا يمكن من حالي حتى عشان ما ارجع انصدم بعدين مني)

هاتي قوليلي كيف بدي اجرب اشرح للي حواليي انو غير هيك ( هيك يعني اللي هني شايفينو جنون في فيي و بخياراتي بالحياة) بيكون الجنون و بيكون ضياع عمري ضيعان يا عمتو؟
مرات بطنش و بقول انا بمارس حياتي زي مقتنعة,مهوي كل حدا بيعمل هيك. بس مرات لما بتعب, وما بلاقي حدا احكيلو من اللي حواليي, بضطر اني اصرعك و انتي صايرة زي جبل المحامل, وبخاف ازيد عليكي اشيا خاصة فوق الاشيا العامة لأنو ع الجنبين شو بدك تحملي لتحملي

بس شو عندي خيارات غير يا عمتو؟ بحاجة احكيكي لحتى احس انو في حدا عم يفهمني و يدعمني بخياراتي, مش بس يعين بينقاللي حكي ليبين انواللي عم يسمع ديموقراطي و تقدمي و بيدعم طرحي فعلاً و بس اروح رح يضحك علي او يشفق و يقول"يا حرام وين بعدها), بس لأنو انتي نفسك مجربة هالخيارات و بعدك عم تمارسيها مع انها مش سهلة بالمرة.

مبارح يا عمتو كنت ببيروت, الجو بيقرف: وين ما كان صور "شهدا الاستقلال التاني" بدءً من الشهيد الحي مروان حمادة ( عم بتشوفي شو بيكتب زياد الرحباني بجريدة الاخبار؟ وعنو لهالدب تحديداً؟) وصولاً للآخر و ليس الاخير بيار الجميل و فوق كل صورة الشعار المُصادر من كل اصحاب قضايا الحق (الارمن مثلاً) او قضايا الصلبطة(الصهاينة مستغلين فكرة الدين اليهودي) "لن ننسى"

هول شهدا, بس 1350 فرمتهم اسرائيل من اقل من 3 اشهر مش شهدا و لا في مين يتذكرهم و يعمل الهم يافطات ويتوعد بعدم نسيانهم!!

الانكى: بيار الجميل كتائبي مش هيك؟ طيب ممكن حدا يفهمني ليش اعلام القوات مملية الدنيا خاصة بالمناطق اللي كانت تُصنف"شرقية" لبيروت؟ في كتير ناس صاروا عم بيقولوها علناً"شو بيقتلو القتيل و بيمشوا بجنازته؟"

ما علينا: تعشيت مع رانيا و حكينا كتير, مدري ليش خطرلي اسألها سوأل كويلو برواية فيرونيكا تقرر ان تموت عن شو ممكن تعمل لو ال24 ساعة الجايين هني اخر شي بحياتها.
جاوبتني و ردت لي السوأل, بدون تردد قلتلها: بروح ع حيفا امشي ع شطها مع اللي بحبو اكتر من روحي بهالحياة

بتعرفي يا عمتو من بعد ما جاوبت, صفنت شوي: انو بدي انطر لاخر 24 ساعة بحياتي لاعمل اهم و اغلى شي بدي اياه بحياتي؟
معقول يعني اعيش شي 50 سنة و باخر 24 ساعة منهم اعمل الشي الوحيد اللي كان بدي اياه اكتر من اي شي تاني بهالخمسين سنة؟
طيب ليش ما بروح من هلق لو بقدر؟

لا تنجني علي قبل ما تسمعيني للاخر, بس عرفت انو ممكن اخد فيزا من اي سفارة لاسرائيل بالعالم واقدر اروح ع حيفا.
تقليدياً مفروض انو انتفض و اثور و انجن انو مستحيل اعترف بالسيادة الصهيونية ع ارضي( هيك عملت رانيا بعمان: هيدي غير رانيا بيروت لا تضيعي معي الله يخليكي عمتو)
بس بكذب كتير اذا بخبي اني عم بفكر بالموضوع بشكل جدي, حتى حكيتو مع عمو محمد و حسيتو مش عارف شو يجاوبني, يمكن لأنو ولا مرة عنجد وصل اي حدا فينا بالتفكير لاقصى حدود المتاح او المستحيل زي ما انا هلق عم بفكر

يعني مش خيانة انو ما نرجع ؟ ع الاقل لنتزود بذاكرة فوتوغرافية: بالعين و بالروح عن الاماكن اللي ساكنة فينا بالحكي و القصص, بس المشكلة انو بعد اكتر من 58 سنة ع الطلعة منها, رح يبطل في مين يتذكر شو كان فيها اساساً لأنو ببساطة "ما تبقى لنا" من اللي طلعوا مقصوف قلبهم من القهر ع اللي انقصف عمرهم من صدمة الهجرات المتعددة, ويا دوب ذاكرتهم عم تقدر توسع كل التفاصيل اللي لازم انو ما تسقط سهواً من تاريخنا الشفوي و المكتوب كشعب ..
غير هيك, يعني العيل اللي زي حالاتنا اللي مشرذمة هيك و كل نفر بقطر, بعد ما يفلوا الكبار اللي بيعرفوا الصلات مع بعض, كيف رح نقدر نعرف نحنا مثلا او اولادنا انو النا باقية اهل بفلسطين المحتلة او ما اسمه اليوم "اسرائيل"؟

بس توصل الامور لهون, بحس انو اكتر شي فعلاً بدي اياه اني اكون هونيك, اقدر اشوف دار سيدي قبل ما يهدموها لهالدار (بتصدقي: مليون مرة بتمنى يهدموها و لا يسكن فيها مهاجرين جدد يا عمتو! ما بتحمل انو يحتلوا الفضا الباقي من الذكريات العائلية و الشخصية المتروكة كمان), اقدر امشي ع شط حيفا اللي من و انا صغيرة و تيتا بتحكيلي قصص بتمنى اشوفو والعب برمله و كبرت و كبر معي حلمي العنيد فيها, اقدر ادوق عنب مجد الكروم و اعبط محمود لما يشوفني صرت صبية و يبكي.
دبحني بس بكي يا عمتو وقت اتصل فينا هوي و نانا بالحرب!

دبحني لأنو خايف علينا و خايف ع ميس اللي بحيفا و بنفس الوقت وصانا قبل ما يسكر الخط لأنو انطلق زمور ما قبل القصف "كتروا من هالهدايا_قصدوا صواريخ المقاومة_ كل هالعمر ناطرين نموت بشرف بدل هالعيشة بالذل"
هلق عم بكتبلك هيك و انا نفسي عم ببكي. معقول تصير احلامنا الاوسع من العالم مرتبطة ببحر بيغرق كل الاحتمالات باللقى بين صور وحيفا طالما سمكه و موجه وملحه مراقب من عيون العدى؟ معقول في لحظات بيتكثف فيها الحلم بحرية فلسطين من المي للمي ليصير لحظة بقدر فيها اضم فلسطين الباقية ع ذمة التأويلات هونيك: بمجد الكروم اللي بتطل ع حيفا و 58 سنة وعد بالفرح المسموح بس نرجعلها...

تتذكري بس خبرتيني ليش تيتا كانت مانعة تياب العيد الجديدة و الاعراس؟

كان تفسيرها البسيط , بس السليم تماماً"كلو بس نرجع ع حيفا" الفرح و عيش التفاصيل اليومية البسيطة زي باقي خلق الله مؤجل لحتى نرجع, وبعدنا مؤجلين: افراحنا و حياتنا كبشر بيتزاورو و بيتحاكوا و بيفرحو و بيزلغطووبيحكوا ع بعض و بيدبروا مكائد و جوازات, كل اشيائنا الانسانية المفرحة مؤجلة, بس الحزن عاجل: الموت و الخطف بكير متل الطربونة اللي بتنقصف و القلق و التوجس و الحذر
بعدنا عايشين بالمؤقت, و انا تعبت يا عمتو, بدي اعيش لحظة حقيقية: لحظة الي خالصة, فيها تيتا و بابا اللي بعمري مش رح اعرف شو كان ممكن يخبرني عن حيفا لو انو كبرت بوجودو
بدي لحظة دايمة, مش مؤقتة .
لحظة احس فيها تماماً قصد تيتا لما خبرتك: الانسان بينتمي للايام الحلوة, و انا ايامي الحلوة بفلسطين

بدي لحظة اعيشها بتعريفها هي عن الايام الحلوة, يمكن اكرهها و ما الاقيها حلوة , خاصة انو بدي اضطر استدل ع دارنا باشارات مكتوبة بالعبري, بس بدي اجرب اعرف شو هي هالسعادة اللي اسمها فلسطين و بتضل رغم كل الفدائية المشوهة و الانتفاضات المخربة و الموت المجاني و الحنين اللي ما بيقلل منو المؤقت ولا بشي, بتضل السعادة الوحيدة اللي بيعترف فيها وبيحلم فيها شعبنا وين ما كان.

تخيلي, من يومين غضبت بقوة ع اميل حبيبي لأنو قريتلو اعترافه الاخير بأنه كل الوقت كان هوي المتشائل و كتبت انو خاين, انا هلق شو بفرق عنو بهل"العقلانية" اللي هبطت فجأة علي؟
عقلانية الفرد اللي مفروض اني بمقتها,لأنو "لا خلاص فردي الا بخلاص الجماعة", بس بتعرفي شو عمتو؟
شو المفروض اللي مفروض اني اتبعه غير مفروضات نفسي؟
وانا بلاقي حالياً اني مفروض اعمل هيك: اروح ع حيفا وبس!
بدي تقوليلي ليش مش مفروض اعمل هيك من وجهة نظرك, بحاجة اعرف ليش لأ

انا تعبانة يا عمتو من المؤقت: الحياة المؤقتة, الفرح المؤقت, الوطن المؤقت و الانسانية المؤقتة
تعبت وبدي اجرب غير التموضع بالمؤقت بلكي بقدر ارتاح

بس اسمع العالم بيحكي عن القدس بنجن, سألوني بامريكا عن شو برأيي بيخلي الصراع ينتهي, حق العودة؟ القدس عاصمة؟ دولة فلسطينية؟
قلت انو ما بقدر اجاوب عن شعب كامل مفتت بالمنافي و كوزع بالمؤقتات, بس الاكيد انو انا بدي ارجع و مش رح اتنازل عن حقي بالعودة و لو عطوني تقل فلسطين ألماس.
بس وقفت مع حالي بعدين عند مسألة القدس: انو ليش بالله بس القدس مشكلة بالنسبة للعالم؟
يعني كونها عاصمة فلسطين والها جامع و كنيسة و اسوار قديمة بتصير اهم عندي من حيفا مثلا؟او عند اهل الزيب و بير السبع من الزيب و بير السبع؟
صحيح في جوامع بحيفا صارت ديسكو زي ما بيخبروني,وانو تاريخياً دار سيدي مش اقدم من اسوار القدس و لا كنايسها قام فيها المسيح الفلسطيني, بس بالنسبة الي هي عاصمة العالم مش بس فلسطين و انا بدي اياها

انو بدي افهم كمان انا: شو هي هالقدس اللي انترك كرمال شقفتها الشرقية مدري الغربية حقنا بكل اللي نتشوه و اكلوه وعم يتبطروا فيه من ارضنا و تاريخنا و هويتنا بدءً منها و لحد البصة بالشمال و لاخر نقطة رمل بالنقب بالجنوب , حتى تصير باقصاها اول القبلتين و ثالت المطالب بلائحة المفاوضات العجيبة بتاعة طباخين اوسلو؟

يعني قبة الاقصى و الصخرة و الكنيسة و الابواب و ساحة الصلاة بحسهم فلكلور سياحي اكتر مما بيعنولي مدينة حقيقية مفروض اني اقاتل عشان تنعتق اولاً من المفروض من السيادة الاحتلالية عليها, وبعديييييييييييييييييييين منشوف شو بنعمل بباقي 1967 كمرحلة اولى, ومن ثم( ركزي معي هالمن ثم يعني قديش بدها بعد وقت) منلاقي حل _لو يعني بعد في بالافق و الطرح السياسي لاي فصيل او حزب او مجنون شي حل_ للي انسرق اول شي من البلاد ب 1948

مرات بسأل حالي بس اتطلع بصورتي الوحيدة و انا بالقدس لما كنت لسى اصغر من سنتين: أنا بحب القدس؟

يعني بصراحة: القدس زي ما بتجي بالاخبارو بالنشرات عن تاريخ فلسطين ما بحبها.
كيف مفروض احب باحة مسجد اكثر من بيارات الخير كلها اللي بتفتح بيوت عمال و بتطعمي عيل و بتنسقي بعرق الكادحين و انا العلمانية ؟
كيف بدي احب صور ابواب عالية محروسة برجال الشرطة و نظرات التوعد بينهم و بين اللي عم ينذلوا ليدخلوا هالمدينة اكتر من اغاني الامهات لاولادهم بيخبروهم عننا _نحنا اللي فلينا غدر_ وانو نحنا اهل و دم رغم المسافات و انا اللي بؤمن بالحق الجمعي للفلسطينين انو يكونو احرار وين ما بدهم بارضهم؟

بحب اكتر قدس سحر خليفة بصورة و ايقونة و عهد قديم, بحبها اكتر بصور مهند عن تفاصيلها, بحكي معتز عن اسواقها و ريحة المخللات فيها, بموسيقى مروان لما بتوصف تزاحم الاجسام بزواريبها و عجقة الضحكات بايام اعيادها. بحبها اكتر بكتابة زياد عن قصص عشاقها اللي زي عصافير بيسرقوا حَب حُبهم من تم العيون و الاحتلال وحكي الناس
اكتر مرة حبيت القدس عنجد كانت لما دفنوا فيصل الحسيني, حطوا ناس و بيوت و شوارع فيها سيارات ( كانت اول مرة بشوف سيارات بالقدس: صورتها التقليدية هي الباحات اللي عم تعج بالماشيين وخيالة الاحتلال عم يترصدوا لهم كل خطوة)وقتها حسيت القدس مدينة عادية, يعني مش مدينة نكد مضاعف لانو مر فيها ومنها تاريخ كل الانبياء اللي تشحروا كرمال الناس و بالاخير دبحهوهم مليون مرة الشعب المختار عند الرب فوق كل الناس

هيدي القدس اليومية بحبها. قدس الناس: الفرح بتياب ولد بزياح, ام عم تطرز شرشف طولة لكنتها, اب عم يرجع ع البيت ليشوف دروس اولاده, ست عم تعلم بنت بنتها كيف تعمل المعقود.
قدس الناس, زي حيفا الناس زي ناصرة الناس زي كل بلاد الناس.

قلتلك انو تغديت عند بيت ناس من "الناصرى" بلوس انجلوس؟هيك حكتلي اسمها الأم وعلمتني اعمل تبولة فلسطينية بلا بندورة و خبرتني بحسرة كيف طلعوا ب 1949 من البلاد: ما تحملوا يشوفها منضامة, ومن يومها البي ما رجع, بكي وبكاني و هوي عم يخبرني انو مش متخيل يروح وما يلاقي توتة الدار بمحلها او يلاقي قبر عمه اللي استشهد بثورة 1936 راح عنو الاسم
من دموعه هيدي بتقدري تعرفي ليش زارع جنينة البيت اللي عايش فيه بأخرالدنيا كلها توت
قد يتبع





هيدي الرسالة اللي كنت حكيت عنها لأحمر بتعليق سابق ع نص "حبيبي خائن", ما كملتها لأني تعبت و انا بفكر و بطبع و ببكي, يمكن بكملها بكرا او بعدو, او ما بكملها بالمرة
يمكن احسم قراري بأني اكملها من حيفا, او الحياة تحسم قرارها بشأن اخر 24 ساعة بحياتي, او حتى اقول كل هالحكي بحضن عمتو
و
و شو؟
بس ما عدت قادرة اقول شي بعد

حبيبي خائن

,وحبيبي هو أحد اروع من ألتهم_كنت ألتهم_ كتاباتهم وكنت أعود إليه كل مرة بشغف أعلى و أكبر بعد كل قراءة. وهو من الكتاب الذين يمثلون لي_كانوا يمثلون بأي حال_ دوماً تحدياً لأستطيع أن اقنع نفسي ان شغفي بحروفه و افكاره يمكنه ان يأتي في سياق مختلف ليس بالضرورة متطابقاً او منسجماً مع عدم إحترامي له كشخص وإنسان

وقد أتيت على ما توفر من أعمال حبيبي * بلهفة خلال سفرتي الاخيرة ( سرايا بنت الغولة "قصة خرافية 1992" ونصوص سداسية الايام الستة "النسخة المتوفرة لدي هي الطبعة الثالثة العام 1984" , نص بوابة مندلباوم 1954 ,مسرحية قدر الدنيا 1962 , انشودة النورية 1963 ومسرحية مرثية السلطعون 1967)




ولكن: لا ! اا


لم أستطع احترام إميل حبيبي يوماً كلما فكرت بالتناقض بين ما يكتب و بين ما مارسه في حياته من خيارات يومية على الارض. ولطالما جربت ان اترك باباً موارباً لتقبل فكرة ان ما للفن للفن و ما للعقلانية يبقى للعقلانية

والآن, ما عاد بإمكاني مساءلة نفسي عما إذا كنت سأحترمه بالمطلق : لم يكن ذلك ممكناً من قبل, وبات الآن مستحيلاً

فحين اقرأ ما يعترف به حبيبي في أخر العمر : كنت أكذب وأقول، في الماضي، إن شخصية سعيد أبي النحس هي عكس شخصيتي. لكنني صرت في عمر لا أحتاج فيه إلى الكذب. كنت أتحدث في المتشائل، إلى حد كبير، عن نفسي. أتحدث عن نفسي بمعنى العقلانية. وعقلانيته هي عقلانيتي إلى حد ما
وحين تكون علاقتي مع الاماكن المغيبة في الذاكرة الفوتوغرافية _لأنها ببساطة لم تكن هناك يوماً_ والحاضرة بقوة في الروح مُشكلة الى حد كبير على وقع ما يكتبه هذا الاشكالي في حضوره كما في الغياب
وحين تستطيع كلمات حبيبي دوماً ان تبكيني و توقفني عن القراءة مرات و مرات لامسح دمعي قبل ان يبلل الاوراق الصفراء لقِدَمها بين يدي

وحين يسقط صرح أخر من عيني (ولا يخف وقع السقوط المدوي لمن مثله بحكم التعود مثلاً, فكيف لا يؤلم التفكير بأن غسان كنفاني ساقط اخلاقياً لكونه خائن لزوجته آني مع سبق التخطيط والنية؟) , فإني سأشعر ان الخيانة مضاعفة, أقله بالنسبة لي

لطالما كرهت نظرية الفن للفن واشعر بمغص شديد حين افكر بكل من اتبعوها و اتعبوني بذلك (محمود درويش و مرسيل خليفة مثلاً) حتى اتمكن من اقصائهم من مكانتهم العالية في روحي حيث لهم بصمة في
تشكيل الرؤية التي أتخذها توجهاً في حياتي
سيكون عليّ ان اجبرني على التفكير ان حبيبي خائن, وان ابداعه الادبي في كل ما قرأته له و خط بروحي ابجدية من نار و حنين كان نوعاً من تقية ادبية مارسها طويلاًُ حتى يتمكن من التصالح _ع الاقل مع وأمام نفسه بأكثر الطرق علانية و استمرارية عبر الوقت الا وهي الادب_ بسبب خياراته المدوية في "عقلانيتها" في الحياة
سيكون عليّ و لن اقدر, ليس في مدى قريب على الاقل, فحبيبي أحب قلمه و مقدرته على سبك و سكب التفاصيل اليومية والبسطية في الحياة في اسلوب سردي هو ساحره بلا منازع
بعيداً عن التنظيرات و اسس النقد الادبي و تقدير الابداع و تذوق الفن: الآن سيكون عليّ ان اكره _ان اُكره نفسي على ان أَكره_ إميل حبيبي الساحر الذي انقلب عليه سحره, ذات قراءة متأخرة لاعترافه الاخير
لم أعثر حتى اليوم على حكايته المسرحية "لكع بن لكع" التي صدرت عام 1984,وثمة جزم لدى*
الناشرين و النقاد انه من المستحيل الادعاء بإمكانية جمع "الاعمال الكاملة" لإميل حبيبي لأن هناك عدداً من قصصه القصيرة التي نُشرت قبل عام 1948 في الصحف اللبنانية و الفلسطينية, وقد ضاعت حتى من الكاتب نفسه.

الطقس صحو

الطقس صحو اليوم: في صحو ايام الشتاء, تتقد ذاكرتي بصور من ذهبوا من يومياتي الى ما خلف الاحاديث, وخلف المدينة, او حتى خلف الحياة.واتملى في التفاصيل اليومية العادية في بيتنا و في بساطة الحديث مع ماما و البقاء في بيجاماتي طوال النهار الذي انظف فيه اسناني و اغسل وجهي بجذل لان بإمكاني فعلاً ان ابقى في البيت طول النهار. وفعلاً ابقى في البيت حتى ابدأ في كتابة هذه الكلمات , وأعتقد اني سأنام بعدها لأذهب الى عملي غداً.

الطقس صحو:فقرات البث المباشر ونشرات الاخبار تعج بالاعلام و الخطابات التي بامكانها ان تصيبني بجلطة قهر لحال البلد, وانا اريد ان انام بعد, ولكني اريد ايضاً ان اتشارك مع أمي صباحاً قلما عادت تسمح لنا به اوقات عملي و انشغالاتي, بينما هي لا تزال تتلقف مني كل كلمة كأنها الاولى في الحكي.

الطقس صحو:شربت ماما قهوتها, وانا شربت معها فرح اني لا زلت اذكر تبدلات مزاجها الصباحي اليومي. حكينا كثيراً, اشياء و اسماء و حوادث تشاركنا سحبها من الذاكرة التي تسقط هنا تفصيلاً و هناك حدثاً. "تسألت"* عليها كثيراً وضحكنا كثيراً, كأيام طفولتي ومراهقتي الصعبة عليها في بيتنا وعمرينا.

الطقس صحو: أقرأ الجرائد مع فنجان شاي واقلب محطات التلفزيون بملل واضح و اضج من جسدي المنتظم في دورة الانوثة الشهرية و اضيق من تقلب شهيتي بين المالح و الحامض والحلو.اطلب "كاتو" من ماما و نتشارك صنعه واكله ساخناً على وقع الحكي و ركضي الى الريموت كونترول كل قليل لاقلب الشاشة عن المشاهد المكرورة لتشييع القتيل الاخير, أشاهد فيديو كليب لمطربة سخيفة بحسب تقييم ماما, ولأسمع وخز قهرها مني: معقول انتي بتحضري هيك سخافات !وحين اريد ان اشاهد محاضرة لتشومسكي مثلاً تؤنبني ايضاً و تقول لي اني املأ رأسي بما سيصعب عليّ خيارات حياتي

الطقس صحو: اريد ان اخبرها اني اشتاق لقضاء هذا الوقت الخاص بنا معاً, اريد ان اقول لها كم كنت خائفة بالامس حين انحرف الباص عن الطريق و ضل قلبي يدق كطبل بلدي و اطرافي باردة كثلج صنين. اريد ان اقول لها اني ما اطمئنيت الا حين وصلت الى البيت و جلست قربها و اخبرتها بصوت يرتجف اني كدت اموت, واني خفت اكثر من خوفي حين تركنا صور وطائرات الموت تزوم فوق رؤوسنا و حياتنا وغدنا.
ولكني استمسك بصورة القوية التي عودتني عليها هي و ايامي و خياراتي االصعبة في الحياة. و احجم, كما احجمت هي عن ضمي, عن قول اي شيء, واكتفي فقط بابتسامة لا تفارق وجهي و منظري كسلى و دافئة في البيت, وبمزاج عالٍ للمزاح و التنكيت و الدلع المبستر بتلك الصورة القوية التي لا ادري كيف إلتصقت بي الى هذا الحد في السنوات الاخيرة.

الطقس صحو: ماما نائمة بعد الغذاء وانا اقرأ في أرشيف مدونات لا يتاح لي عادة ان آتي عليها بسبب الوقت ( شاكرة انا للاغتيال الاخير اذ اتاح لي يوماً من اللذات الصغيرة السعيدة), اليوم دور مدونة الشيخ الاحمر. أقرأه و افكر ان هذا الشاب من بلادي خفيف الدم و ثقيل وقع افكاره في الروح احياناً. تنكأ افكاره قلبي, وينزاح النبض عن وجوه خبئتها كي لا تجرحني بالذكرى مجدداً.

الطقس صحو: و "راشد" ليس موجوداً بيننا بعد, ما عاد موجوداً منذ فترة طويلة.

ست سنوات يا راشد, ياااااااااااااه كم خائن هذا العمر يا صديقي.
كيف نبشت القلب عنك كلمات حمراء لمن لا يعرفك و لا تعرفه؟
ما الذي ذكرني بك في هذا الصحو الغريب على اعتاب كانون؟
ادري اني لم اردك ان تمثل في ايامي, كي لا اتوجع باحساس الفقدان من جديد!
يا الله الذي احببتَه و احَبكَ يا راشد كم يوجع الاحساس بفقدانك من جديد, كم كان يوجع دوماً و لكني آثرت سلامة عقلي و روحي بأن انحيه و انحي ذكراك بعيداً على قيد كلمات غريبة تجلبها من ذاكرة عنيدة في احتفاظها بتفاصيل من مثلك.


الطقس صحو: لن تعود ابداً مثل هذه الكلمات

هه_ شو يا صبية لوين؟
هه(لا مبالاة مني و استكمال المشي في شارع ابوديب الطافح بالسيارات المحترفة فلكلور"الكزدورة" الاسبوعية كل سهرة جمعة و سبت في مدينتنا , التسلية الوحيدة خارج البيوت تلك الايام قبل افتتاح المقاهي و اختراع الانترنت) هه
هه_ يا صبية يا ام الاحمر
هه(علاقة الحب بيني و بين اللون الاحمرالنبيذي قديمة_الآن انا ملفوفة ببطانية نبيذية الدفء كذلك_ ومع ذلك لم ارد على اللطشة)هه
ه_طيب تأكدنا انو تقيلة ما بتتعني للتلطيش
(صوت سيارة تقف الى جانبي, وينزل منها)
ه_شو يا ست ملاك, بتردي علينا هلق؟

هه* هيدا انت؟
وامد يدي لاسلم عليه و لكنه يضع يده على صدره و يقول لي " الله يهديكي".
أخجل انا, ويتدارك هو الموقف بسوألي عن اختصاصي والامور بعد الانتقال الى بيروت و نتحدث قليلاً ثم نتفق على "كزدورة " قريبة بالجيب الجديد وحديث طويل لانه مستعجل ويريد العودة الى البيت.

الطقس صحو: كما لم يكن حين عرفت بموته في حادث سيارة في 12-12-1999.
انزلق الجيب الجديد وقضى فيه و هو في سنته الجامعية الاخيرة في اختصاص الهندسة.
ومات: ما الذي يعنيه الموت سوى لم يعد موجوداً بيننا؟
لم استطع القيام بواجب التعزية وقتها, ولم اقم به قط, فمن اعزي بك يا صديقي؟
في الجامعة بكينا كلنا , نحن الذين عرفناك منذ ايام المدرسة. احدنا قرأت القرآن على روحك, وانا وفراس** العلمانيين بكينا معاً وبصوت عالٍ,ولم يعزي احدٌ احداً: انت فقيدنا وصديقنا و حبيبنا كلنا, و انت حدادنا الجماعي الذي احترمنا رهبته, كل من منطلقه السياسي و الايديولوجي و الديني و الدنيوي! ااا

الطقس صحو: قابلت بعد 4 سنوات " نادر" ابن عمك, وهو ايضاً لا يسلم الآن. قلت له بعض كلمات مبتورة عن واجب العزاء الذي لا اعرف بعد القيام به. قال انه يتفهمني, ثم سألته : ليش انت و راشد بطلتو
تسلمو؟
رد بدهشة لجهلي: لأنو صرنا مع الحزب.( انت انضممت لحزب الله؟ لهذا السبب اعتبرتني ضالة حين
مددت لك يدي العادية التي كنت تحتويها في السلام الصادق دوماً بيننا, كما باقي الصبايا اللواتي كن يعجبن بطلتك و غزارة معلوماتك و لاءك العالية الرفض) تتت
واعاجله: وناصر؟ صار بالحزب او بعده شيوعي؟ ( ناصر اخ راشد)----ا
"ما بعرف و الله, هوي مسافر و ما عم بعرف كتير اخبارو"

نتودع على امل لقاء قريب, وادري انه لن يكون, فسواك يا راشد ما عاد يجمعنا الكثير, خاصة مع نظرة الصبية المحجبة المليئة بالاستغراب لمعرفة خطيبها سافرة مثلي


الطقس صحو: مظفر النواب في نادي التضامن,يلقي شعراً و نلقي الغمزات والهمسات على شربه للفودكا وهو على المنبر_ كان ذلك قبل ان يقرر الله ان يهديك و لا يهديني_ ثم نتراكض اليه لنحدثه و تبقى لي هذه الصورة اليتيمة معك للذكرى

الطقس صحو: ومع ذلك ينقطع الاتصال بشبكة الانترنت عندي كثيراً, تغضب ماما من الشخص المسؤول عن الاهتمام بصيانة آلات الخدمات الانترنتية لأن هاتفه مغلق و هي تحاول الاتصال به

الجهاز مفتوح على الكلمات وصوت ريم البنا تحكي للعالم عن اشياء تبكيني كما ذكراك
تأتي ماما لتحكيني, تجد الدموع حراقة على خدي. وقبل ان تسأل اسألها انا: ماما, بتتذكري راشد؟
لا تملك ان تداري دمعتها, تعطيني ورقة كلينكس امسح دموعي, وتأخذ واحدة لها ونحجم معاً _ كالعادة_عن الخوض في الموضوع

الطقس صحو: سأشتاق دوماً للنوم قليلاً بعد, سأضيق كل شهر بمزاج جسمي المفتوح على شهية لا تعرف ما يسكتها, وسأريد ان اقول لماما اشياء كثيرة اقصيها خلف صورة القوية التي صرت اتقنها حقاً, وسأتمنى ان اهرب من ذاكرتي المفخخة بالدموع و التفاصيل, وسأود ان لا تنكشني كلمات اخرى بالانفعالات المفرطة في هدم قناع القوية الهش الذي يغلفني واتغلف به لأواجه حساسيتي المفرطة تجاه العادي من الاشياء و الاحداث. وسأتمنى ان اعرف جواباً لسوألي :كيف إهتديت الى ان تموت على ذمة حزب الله و انت الذي كنت دوماً أحمراً يا راشد؟









ت*تسألت: كلمة عامية لبنانية تعني الغلاظة و سماكة الدم! وانا فسرت الماء بالماء بشرحي لمعنى الكلمة, أليس كذلك؟ عظيم هذع عي "السآلة" بعينها

ف**فراس لم يزل شيوعياً , هو في الخليج يعمل كبرجوازي صغير, ولكنه لم يزل مفعماً بالطيبة و الأمل في تغيير العالم.
علمت ان ناصر كان لم يزل شيوعياً كذلك قبل ان يسافر و يختفي من المدينة ويقل تواصله مع كل دائرته القديمة من المعارف و الرفاق.
يذكرني بما اود ان انساه حق أما راشد الذي ما عدت ادري ان كنت سأعرفه لو إلتقينا بعد فراق لو بقي حياً بسبب تبدل شكل الشباب اجمالاً بين مرحلة المراهقة و الرجولة, فقلة تذكره . ربما تتعمد الكثرة عدم تذكره, فخسرانه موجع حقاً: في المطر الذي كان يحب المشي تحته كنوع من تمرد آخر يضيفه الى سجل لاءاته, وفي الصحو الشتوي الذي يذكرني بما اود ان انساه حقاً

وشاية


تشي بك عيوني المسورتين بالكحل لوناً مجازياً لعالم باهت دون اسود الجمال يظّهر الوانه الباقية كلها اشهى و ابهى

تشي بك "شفايفي" حين يجف عنهما النبيذ و تركض ثمالته وراء طيف حضورك في دمي لأسكر بالذكرى, واشقى كذلك

تشي بك تدرجات الاحمر على اظافري, وعلى وجه الشمس كل قيام للغروب قبل صلاة القمر في قلب السماء, و تتقشر قهراً انك لا تراها

تشي بك الليالي المخبوءة بين خصلات شعري, تهطل نجوم بريقها نجمة و نجمة كلما مرت ليلة لا تعبق بعبث الاحلام بك, و معك

تشي بك جبهتي حين تعتليها الوصمة الوضاءة"فلسطينية", فأحن لدفء كوفية واحدة نتلفع بها في البرد حين نعبر اسواق و اسوار قديمة للمدينة

تشي بك أقلام الحبر السائل حين تعانق اصابعي و تنسال عن ابجدية اقل بلاغةً و ألقاً اذ تغيب عنها يداك

تشي بك الشامات المزروعة علي جسدي المتمدد في الانوثة على وعد لقاء لأجله يظل الحمام يخفق في صدري

تشي بك رائحة البحر الذي ينتظر اجسادنا تعمد ملحه بالشهوة, ورمل حيفا المنتظرة وعد خطانا و اقدس خطايانا

تشي بك الخريطة حين اقيس المسافة بين قلبي و دوس قدميك, فتنمحي: تبكي الجغرافيا ويخلق من نقطة اللامسافة تاريخنا الجديد

تشي بك التنهدات كلما سمعت خبراً قديماً_جديداً له إلتباسات الولادة و الموت من صوب البلاد. وكلما انحفر اسم جديد في ذاكرة الدم العنيدة العاصية على التوقف عن الكبر وتظل تميد بي و بروحي وفي كل الاحوال لا تصلها و لا تصلك

تشي بك الرايات المخضبة بكبرى الايمانات, و الاناشيد ذات المعاني الصادحة في يومنا و الغد و الامس عناويناً ومنازلاً لانفعالاتنا و خيباتنا و المعلق من الافراح و الابتسامات

تشي بك فناجين القهوة التي تظل باردة و لا نشربها, و اعقاب السجائر التي تنطفئ قبل ان تمس شفاهنا: كلانا اكثر انشغالاً من ان يتوقف ليلتقط لزوجة القهوة لاذعة المرارة و الحرقة, ولينفخ بعض روح المتعة المبتورة في سيجارة

تشي بك القصائد غير المكتملة, الاغاني الباذخة الشجن, شالات الحرير المرفرفة شوقاً لتنهال على متن لمسة لا تأتي, همسات البنات التي لا تحتمل تأجيلاً, قهقهات الصبية العائدين من مباراة كرة قدم , وتشكيلات الشوكولاته التي لا نقترف معاً جرائمها اللذيذة

تشي كل الاشياء و التفاصيل بك
و تشي .....ااااا

تشي بك أنا: يا كلي , وأنت اجمل الوشايات




نون الغد


بنون النسوة وملاءات الشقاء الابيض
يخرجن الى نور القلب و يقلن "لا" هادرة مدوية بصوتهن الاشرف من كل الشرف ضد الصمت_عورة الايام الدائمة
هن: أمهات غد بلادي الطالع من شق ارحامهن كما من شق الارض المفتوحة على الخصب من الاحتمالات التي كلها تضع مولوداً واحداً اسمه "كرامة"ز
منظرهن يكتسحن التواطئ بالرفض العنيد يثير في قلبي مشاعراً لا زالت تثيرها فيي_رغم التعود البغيض_ صور الدم المسفوح غدراً في كل بقعة من بقاع القلب الممتد سماءً فوق الارض: ارض بلادي
يخرجن من تفاصيل البيوت, من ملل الحكاية حين نريد لها التشكل صالحة للروي, و الري
يعتقن انفاسهن و مستقبل البلاد من مناديل حدادها الآخذ بالتطاول حتى يكاد يبتلع طفلهن الوحيد و
اسمه "الأمل"ز
تعتلي الكوفيات رفضهن المتعالي عن كل قيد , يخرجن بلاءهن فائرات الروح واضعات العمر كله على حد
الطلقة
تردي بعضهن يد الغدر مجدداً
ينشرخ القلب حد التناقض:ز
مرة فرحاً و فخراً بهبتهن _الموقف: الموقف الحقيقي و الاصيل على عفويته و شعبيته و امومته
والاخرى وجيعةً على مشهد الدم الطازج ينزف أمهات كن ليربين الغد على وقع حبو أطفال بلادنا على درب الولادة الاكيدة, الولادة الوحيدة ,و اسمها
"حرية"

بما إنو

بما إنو ما في وقت مناسب او مش مناسب لهيك حكي
ع بالي اقول اشيا
اشيا اكتر مما الحكي بيقدر يقول
اولها اشتقتلك
اشتقتلك اليوم تحديداً كتير
كتير كتير اشتقتلك
::
وبما إنو انت ما عم تسمع
وما في اي قيمة لهالحكي غير انو بيريحني اني اقولو و بس
كل الوقت كنت عم بشتاقلك
وبعدني مشتاقتلك
ولو في اي امكانية نرجع ليضمنا شوية حكي
بس شوية حكي
كنت رح ارجع ارتكبك حماقتي الاجمل و جنوني الاشهى
::
وبما انو العمر مش بعزقة
كنت رح استثمر كل يوم و كل لحظة وكل نبضة فيه معك
بأني اكتشف قديش بتقدر كل مرة تخليني بعد أحبك اكتر
::
وبما انو الحكي, كل الحكي, شو ما يكون
بيضل بس حكي
ما عاد في شي يقول عن كل الاشيا اللي ع بالي اقولها
بس بعرف انك عارف
وانت مطرح ما انت
وعم تعمل اللي عم تعملو
وغيابك قاسي علي ولو مش عن قصد او بالغصب
اني رغم كل شي
وبما انو بحبك
رح اضل احبك
واحبك
واحبك